الرئيسية / أخبار ثقافيه / محمّد جاء بالله*/الخصوصيّة على الأنترنت:وهم أم حقيقة ؟

محمّد جاء بالله*/الخصوصيّة على الأنترنت:وهم أم حقيقة ؟

 عندما نسمع كلمة ” خصوصيّة ” فإنّنا كبشر ننقسم إلى أقسام كثيرة من بينها من يقابل المسألة بالسخريّة التي يمتزج فيها التجاهل والشعور بعدم وجود تهديد، أمّا القسم الآخر قد يقابل المسألة بشعور أكثر حذرا يدلّ على الجديّة والتفكير العميق باعتبارها مسألة شخصيّة وهامّة، قد يشوبها الكثير من الغموض والخيال نوعا ما.

فكلمة خصوصيّة، كلمة ترتبط بمجالات متنوّعة في حياة الإنسان، ومع تطوّر حياتنا التكنولوجيّة أصبح المعنى موجّها نحو عالم الأنترنت ومدى قدرة الفرد على السيطرة على بياناته الشخصيّة في ظلّ الانفتاح والتواصل بين  شعوب الأرض المختلفة. ومع مرور الوقت أصبح المصطلح يثير الرعب خاصّة بعد محاولات جريئة لأشخاص أو كيانات من أجل إبراز الكثير من الخفايا حول هذا الموضوع فيا الآونة الأخيرة. فغاية السيطرة وحلم التحكّم في عقول الأفراد والمجموعات مازال يراود النفس البشريّة بقوّة وكلّ تقدّم يشهده العالم يسير نحو ذلك الهدف. فالحرب لم تعد تقليديّة ويمكن تسمية الحرب الجديدة بحرب المدى الطّويل، حيث يتمّ السيطرة على المعرفة، فمن يعرف عدوّه يستطيع هزيمته أو يمكن القول أكثر فخامة السيطرة عليه وتسخيره لخدمة مصالح القويّ وأجنداته.

يبقى السؤال الجوهري في الموضوع مطروحا حول مدى جديّة المخاوف المطروحة بخصوص الخصوصيّة في العالم الرقمي والتمييز بين الوهمي والواقعي ؟

لا أعتقد أنّ هناك من لم يسمع في الصحف والعناوين الكبيرة في وسائل الإعلام بمختلف تمظهراتها عن فضيحة وكالة الأمن القومي الأمريكي أو ما يعرف ب NSA حيث أعلن إدوارد سنودن الذي كان يشتغل في تلك الوكالة ومطلع مهم على ما يحاك في عالم جمع، إدارة، وتحليل البيانات، حيث تمّ إفراز العديد من النظريات حول الموضوع. قد يرى أيّ فرد في الوطن العربي أو في العالم بصفة عامّة أنّ كلّ الموضوع غريب ويتجاوز الإدراك البشري حيث يعتمد هذا الأخير بصورة أساسيّة على السلوك، المشاعر اليوميّة وتفاعل الفرد مع محيطه بالدرجة الأولى. لكنّ الأمر أعمق بكثير ولو تجاوز المقدرة على تقّبل المسألة بالأخلاق الإنسانيّة المعهودة. بغض النظر عن كثرة المفاجأة وعدم القدرة على تقبّل الأشياء بسهولة وهذا جزء من الطبيعة البشريّة.

واقع الأمر يقول أنّ كلّ دول العالم تجمع معلومات عن مواطنيها وفق القانون والتشريعات المصادق عليها. يعتبر ذلك أمر طبيعي جدّا خاصّة وأنّه يختص بقضايا معيّنة ترتبط بالأمن القومي لكلّ دولة والمكان الجغرافي. حدث تحوّل مهمّ وحاسم جعل الجَمهور يدرك أنّ الخصوصيّة قابلة للانتهاك منطقيّا فالعامل البشري دائما عامل تعتريه العاطفة والنزوات الشخصية لكن هذه المرّة بعد ما فعله سنودن أضحى الكثيرين يرون المسألة شاملة ولا تقتصر على قضيّة محدّدة في زمن كما يجب أن يكون في فقه التعامل مع الأحداث بالنسبة للدول.

إنّ الطُمَأنينة التي تدور في فلك من يهرب من المجتمع ليحتضن عالم الأنترنات نسبيّة لدرجة تجعل الهارب لم يهرب كثيرا عن الأنظار خاصّة بعد التسريبات الكثيرة وتأكيدات خبراء الأمن المعلوماتي العديدة. المعركة أصبحت عكسيّة وأضحى الفرد يسعى للخلاص واللجوء للواقع بصفة أكثر توغّلا وتأمّلا كمحاولة لعدم وضع البيض في سلّة واحدة.

بما أنّ العالم منقسم في رؤيته للأشياء وكثرة المهوسين والمبالغين في نظريّة المؤامرة بشكل قد يعطّل الفهم البشري الطبيعي ويشوش على تفسير الأمور تفسيرا علميّا، فإنّه ليس بغريب أن تجمع مواقع الأنترنات ووسائل التواصل الاجتماعي معلومات كافية عن مستخدميها. فالشيء مجانّي يكون في المستهلك هو البضاعة. فقد يسأل سائل كيف تربح المواقع الإلكترونيّة خاصّة التي لا تمتلك خِدْمَات مدفوعة ؟ البيانات بالتأكيد فأهميّتها كبضاعة تزداد قيمة يوما بعد يوما ولا تتراجع كبضاعة أخرى. فإنشاء موقع إلكتروني يخوّل صاحب الموقع المعروف تقنيّا باسم المدير أو ” الأدمن ” الإطّلاع على تفاصيل زوّاره وروّاد الموقع والفترة التي قضوها في الموقع حيث يعتبر هذا من بديهيّات عالم الأنترنات في بدايتها حتّى هذا التاريخ.

لماذا ازدادت المخاوف يا ترى ؟ المخاوف قد تكون موجودة لكنّها راكدة وطفت على السطح نظرا للتطوّر المتسارع والمهول في نقل المعلومة وسرعة الولوج لها ممّا يقطع طريق الشكّ نحو أهميّة المسألة وحجم المخاطر التّي أصبح عليها عالم اليـوم.

فكلّ وجهة نظره فقد يقول قائل أنّ الخصوصيّة غير مهمّة بدرجة تثير الفزع، لأنّ تحليل البيانات وسجلّ التصفّح قد يساعده من دون أن يشعر في عرض المنتوجات التي يميل لشرائها عادة أو يفكّر في اقتنائها في المستقبل. إضافة إلى ذلك، يساعده على ورود الأفكار في السياق الذي يبحث فيه بواسطة الخوارزميات التي بينت عليها التقنية الحديثة ممّا يمكنّه من الوصول للنتيجة المرغوبة بسلاسة وسرعة. فالاقتصاد الحديث يقوم على البيانات بشكل رئيسي وشهد تطوّرا مهولا. فالفائدة لا شكّ تجاريّة لكن لا يجب الوقوف وقراءة الأمور بسطحيّة فرضها نسق الحياة الماديّة، بل يجب التوسّع في الفهم لأنّ المتعارف هو أنّ السياسة والاقتصاد متلازمان تلازم السماء والأرض. فلتقارب العالم ثمن باهظ يتمّ دفعه وكلّ يدخل في سياق العولمة وأهدافها.

لا أحد يستطيع اليوم بعد انقشاع الكثير من الغيوم والضبابيّة في عصر البحث والمعرفة أن يشكّك في إمكانيّة انتهاك الخصوصيّة في عالم الأنترنت مهما كان مصدر الانتهاك دولة، مؤسسة أو أفراد لهم إمكانيّات وخبرة في المجال. فالتطفل صفة بشرية لا تختفي بتطوّر الوسائل. فالأمان في العالم الافتراضي نسبي للغاية والمرجح دائما الطَمأَنَة لا الترهيب، وهنا تكمن الطريقة المتعبة والشائعة في كلّ خدمة على شبكة الأنترنات المتمثلة في عرض شروط الموقع على المستخدم قبل التسجيل حيث ثبت أن الكثير من المستخدمين يمرون مرور الكرام ولا يدرون أصلا ما تحويه، في حقيقة الأمر تعتبر تلك الهفوة موافقة ضمنيّة للمواقع باستعمال البيانات عادة وامتيازات أخرى قد لا تعجب المستخدم إذا تمّ طرحها في إطار آخر. فهي حركة بسيطة يتجاوزها أحدهم بضغطة زرّ.  قد يثير هذا الفزع في النفوس وصدمة لدى الكثيرين، علما وأن الكم الهائل من البيانات الموجود يومّيا مهول جدّا ومن المستحيل السيطرة عليه سيطره كاملة. فكثرة الولوج والتعامل الكبير مع التقنية مقارنة بالعهود السابقة يشتّت مجهودات المستفيد إذا نظرنا على مستوى عالمي على الرغْم من ” الأتمتة ” والتحوّل الجذري لمفهوم الذكاء الاصطناعي. فقد تتحوّل نعمة السيطرة إلى نقمة نتيجة لضخامة البيانات والتزامن في الاستعمال.

في نهاية المطاف، بالرغم من تشاؤم نظرة الجمهور للخصوصيّة في عالم الأنترنات إلاّ أنّه وجب الأخذ في عين الاعتبار ضرورة وجود متحكّم في هذا المجال الذي سيحدد طريق المستقبل للبشريّة جمعاء. فوجود جهة مسؤولة وترتبط بقوانين وتشريعات وإن قصرت في تطبيقها تعد ضامن وسبب للشعور نوعا ما بالراحة وتبقى أفضل خِيار حيث لا يمكن تخيّل وقوع البيانات بيد جهات غير مسؤولة قد تستخدمها في الابتزاز، خلق الدمار وصناعة الفوضى وهو ما يحدث مرارا وتكرارا في عالم السياسة والانتخابات خصوصا.

—————-

*باحث من تونس

شاهد أيضاً

محمد شوقي الزين*/”الطبيعة تمقت الفراغ” (أرسطو).

تفتقر الجزائر إلى ثقافة الحوار والنقاش. قانون الصمت أو “أومارتا” (Omerta) هو الثقافة السائدة، ولم ...