الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.ناديه هاشم* :ثقافة الإقصاء في المجال العلمي والمهني ورواسب التنشئة الاجتماعية

د.ناديه هاشم* :ثقافة الإقصاء في المجال العلمي والمهني ورواسب التنشئة الاجتماعية

ثقافة الاقصاء والتهميش في المجال العلمي والمهني ورواسب التنشئة الاجتماعية

…قديما كان مصطلح شلة رغم إنه مصطلح يؤرق المجتمع إلا أنه غالبا ما كان يشير في الوسط العلمي والثقافي إلى مجموعة تنتمي لرمز وتسعى للمنافسة والتميز فتجد شلة الاستاذ الدكتور فلان في مقابل شلة الاستاذ الدكتور فلان و شلة الكاتب فلان في مقابل شلة الكاتب فلان والموسيقار فلان وهكذا .. و حاليا الشلة اصبحت مجموعة متغيره لا تنتمي لرمز وإن انتمت فهي تنتمي في الغالب لأي شخص غير مؤثر غالبا كما أنها في الغالب لا تسعى للمنافسة أو التميز وإنما للبقاء والاستمرار بأي شكل وضمن أي سياق ووسيلتها غالبا لا تكون العمل والاجتهاد بقدر ما تكون ” الحنجلة والتنطيط” ذلك لأنها تضم أنصاف المهرة وأشباه المتعلمين ولأن هذه هي طبيعة تكوينها فأهدافها في الغالب تكون هدم الرموز و مفهوم النجاح لديها هو النجاح في إزاحة الاخر .. هذا الآخر المتفرد صاحب البصمة دائما يؤرق وجودهم ويضعهم في حرج دائم لانهم مطالبين بالمنافسة على نفس المستوى .. هنا يأتي الاتفاق الضمني غالبا على الاغتيال المعنوي للتميز والنجاح .. وغالبا ستجد أن أغلب الشكوى التي يعاني منها هذا الاخر المتفرد والمتميز على اختلاف وجوده في الوسط العلمي أوالمهني هي الاقصاء والتهميش الذي يبدأ بالحرب لكل ما يحاول القيام به أولا ثم التشويه لجهوده ثم النيل من تاريخه ثم الاقصاء والتهميش عندما تبدأ قواه في الفتور إلى أن يصل هو إلى مرحلة من اثنتين إما الانسحاب أو الانخراط في الشلة كأضعف فرد فيها وهو ما لايحدث كثيرا .. ثقافة اقصاء الآخر لم تبدأ هنا في مجالات العمل والمنافسة وإنما هي ثقافة لها تاريخ قديم يضرب بجذوره في أعماق التنشئة الاجتماعية عبر وسائطها المتعددة ..كالأسرة والمدرسة ووسائل الاعلام وغيرها.. ما أقصده هنا نموذج الكراهية الذي يتم تأسيسه لدى الأطفال في الصغر ذلك الذي يبدأ عندما يضع الاباء والامهات صغارهم في تلك المقارنة العجيبة مع أقرب شخص في العائلة أو الجيران في نفس المرحلة العمرية ليصبح الآخر هو الجحيم فعلا لدى الطفل، فهو يسمع يوميا جمل مثل ” لماذا لا تفعل كفلان أبن خالك او فلانه ابنه عمك هو او هي في سنك وتجيد كذا وتبدع في كذا” أو” انت ليه مش شاطر ذيهم انت ليه ما بتسمعش الكلام ذيهم” وغالبا يتخيل الاباء والامهات أن هذا النمط من التربية سوف يكون لها مفعول السحر حيث هو وقود اشتعال الحمية والنشاط لدى الاطفال وانهم سيبذلون قصارى جهدهم لينجحوا ويتفوقوا وقد يحدث ذلك للبعض لكن للاسف ما لاتراه الأسرة من الجانب الغاطس من جبل الجليد هو أن ذلك الطفل أصبح لديه أول وعاء للكراهية صنع محليا وما أن ينتقل الطفل إلى المدرسة حتى يضاف إلى الوعاء ماهو جديد .. فيظهر بعض المعلمين في ساحة الفصل بالجملة الشهيرة ” خبي من اللي جنبك”..فيصبح الآخر مره أخرى هو الجحيم هذا الآخر الذي هو أقرب الناس إليه هو ذلك المتآمر الذي سوف ينال من نجاحه ويختلس جهده ويقتل أمنه وأمانه فيسلبه النوم لأن درجة من الامتحان سوف تذهب غدا إليه وأن تشجيعا من المعلم والزملاء سوف يناله فيهدم فرصي في النجاح والتميز .. هكذا تبدأ الحرب غي الاشتعال ظنا من هؤلاء المعلمون أن هذا أيضا هو وقود اشعال الحمية والنشاط لتلاميذهم وحثهم على التميز والمنافسة .. متناسين في ذلك أن ذلك الآخر هنا هو الصديق والزميل وشريك المكان والوطن واللغة والهوية واليد الأخرى للنجاح ..ومتناسين مفاهيم ومهارات يتنافس العالم الآن بشأنها وأهمها ” مهارات العمل في فريق” .. وإذ تنتهي قصة مؤسسات التنشئة مع بدايات الحصول على فرص العمل والانضمام إلى المؤسسات حتى يصبح كل منا قادم بوعائه الثقافي الممتلء بافتراضات مسبقة عن الآخر القريب في السن او الدرجة العلمية او المهنية بأنه ذلك الجحيم الذي سوف يضعه في مقارنة طويلة الامد عند مديريه وزملائه وغيرهم ومنافسة طاحنة ،فيصبح أول شخص لابد أن نختصمه هو ذلك الذي يشاركنا نفس التخصص أو المهنة وتبدأ الحرب الداخلية النفسية الخفية التي يستدل عليها من ذلك الدخان الذي يطبق على الصدور فيستشعره الكثيرون في حالات عدم الرضا الوظيفي والاكتئاب وعدم القدرة على الانجاز والرغبة في الانسحاب باستمرار ناهيك عن الصدامات اليومية التي تجلب معها قائمة طويلة من الأمراض المزمنة كالسكر والضغط وغيرها .. وتصبح بيئة العمل مكانا للصراع وممارسة القهر وساحة حرب مستمرة ..فيكون التركيز لا على الموضوعات لكن على المشكلات وتكون الوسائل لا لتحقيق الأهداف وإنما لتحقيق المطامع .. ويصبح التمركز لا على القيم وإنما على الأشخاص والأشياء .. هنا لابد من السؤال وماذا بعد ؟ .. إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تحديات بيئة العمل من نقص الموارد والامكانات وغيرها وإنما في الرواسب الثقافية المرتبطة بتكوين نسق القيم منذ الطفولة وما تقوم به مؤسسات التنشئة الاجتماعية دون أن تفكر بعمق وتعيد النظر في تأثير هذه الممارسات على الأفراد والمجتمعات مستقبلا.. وإذا كانت التجارب العالمية قد أثبتت أن الدول التي يتصدر نسقها القيمي قيمة العمل بما تضمه من مهارات العمل في فريق والسعي للتميز للجميع وغيرها هي الدول الأكثر نجاحا فإن الفرصة مازالت سانحة لدينا لإعادة التفكير فيما نقدمه في مؤسسات التنشئة الاجتماعية والذي يتناقض فيه في كثير من الأحيان الفكر مع الممارسات..

*دكتوراه في أصول التربيه /جامعة القاهره

شاهد أيضاً

محمد شوقي الزين*/”الطبيعة تمقت الفراغ” (أرسطو).

تفتقر الجزائر إلى ثقافة الحوار والنقاش. قانون الصمت أو “أومارتا” (Omerta) هو الثقافة السائدة، ولم ...