الرئيسية / أخبار ثقافيه / شعبان يوسف */ يكتب : عندما صرخت نوال السعداوي !

شعبان يوسف */ يكتب : عندما صرخت نوال السعداوي !

عن عمر يناهز الـ 90 عامًا، رحلت الكاتبة الكبيرة نوال السعداوى، والحق أن الناقد الكبير شعبان يوسف أنصف الدكتوره نوال السعداوي في حياتها كما ينصفها اليوم بعد مماتها ، كل التقدير لمجهوداته الكبيره في إحياء التراث العربي “. فريق هوامش تنوير.

مدخل تاريخى:

بعد أن رحلت الزعيمة هدى هانم شعراوى عن عالمنا فى 12 ديسمبر عام 1947، وبعدها فى 30 ابريل 1951، رحلت نبوية موسى إحدى الزعيمات النسويات فى مجال التعليم، تركا فراغا كبير فى مجال الحركة النسائية، وكان للزعيمتين حضور كبير فى المجالين الثقافى والاجتماعى، وكذلك السياسى والأدبى بدرجات متفاوتة، إذ أن نبوية موسى كانت شاعرة مرموقة، وكاتبة مسرح، ولها تجارب فى القصة القصيرة، كما أنها كانت كاتبة مقال من طراز خاص، أما هدى شعراوى كانت تدعم بعض الكاتبات والصحفيات بشكل بارز، وعلى رأسهن الكاتبة والأديبة أمينة السعيد، وكانت الأخيرة إحدى بنات الجيل الجديد فى ذلك الوقت، وكانت لها كتابات رائدة ومؤثرة فى ذلك الوقت.

بعد رحيل الزعيمتين، تمزقت الحركة النسائية بشكل واضح، وتنافست على قيادة الحركة سيدات شاركا فى العمل النسائى بقوة منذ ثلاثينات وأربعينات القرن الماضى، ولهن مساهمات ذات تأثير ملموس فى الحركة، وعلى رأسهن الزعيمة درية شفيق، رغم وجود سيزا نبراوى_خليفة ونائبة هدى شعراوى على قيد الحياة، وذلك لأن دريّة شفيق كانت حاصلة على رسالة الدكتوراه من السوربون، وكانت حركتها واسعة وملحوظة فى العالم العربى وفى العالم، وكانت تشارك فى مختلف المؤتمرات النسائية التى كانت تقام فى العالم الأول.

ورغم حضور درية شفيق فى المشهد النسوى، إلا أن أخريات كن ينازعن هذا الحضور بقوة، منهن على سبيل المثال الفنانة التشكيلية إنجى افلاطون، والتى كانت تتجه بكل قوتها نحو اليسار، وأصدرت كتابا ذا أهمية بالغة فى عام 1950، وكان عنوانه “نحن النساء المصريات”، وكتب مقدمته المؤرخ عبد الرحمن الرافعى، ورغم أن الكتاب كان ذا صبغة ثورية واضحة، ولغة حماسية شديدة الدلالة على عنف الكاتبة، وقد أهدته إلى “نساء مصر .. وإلى الملايين العشرة التى تكوّن نصف هذا الشعب”، ولكنها لم تخصّ امرأة واحدة فى الإهداء، ولكنها ذكرت بالاسم : إلى كتابنا الأحرار.. قاسم أمين والرافعى وطه حسين وسلامة موسى والذين رددت أقلامهم أصداء ضمائرهم الحرة، دون الأهواء والمادة والأغراض!”، واللافت للنظر أن افلاطون لم تخصّ امرأة واحدة من القيادات النسائية فى الإهداء، مما يدل على النزعة الاحتجاجية تجاه كل القيادات النسائية، وهذا ما تجلى لاحقا فى معظم ما كانت تكتبه إنجى افلاطون فى الصحف السيارة، وكانت بالأخص تهاجم درية شفيق بشكل واضح.

ورغم بروز أسماء إنجى افلاطون وأمينة السعيد وسعاد زهير ومنيرة ثابت وأمانى فريد وفاطمة نعمت راشد وغيرهن، إلا أن درية شفيق كانت الشخصية الأبرز والألمع والأكثر حضورا ومشاكسة للتيارات الرجعية والمتطرفة دينيا، وفى ذلك أصدرت “الكتاب الأبيض” عالم 1952، وهو محاورات بينها وبين شيوخ الأزهر حول قضايا المرأة، فضلا عن كتابها “المرأة المصرية .. من الفراعنة إلى اليوم” عام 1955، كما كانت مجلتها “بنت النيل” حاضرة دوما فى المجال الفكرى والنسائى بشكل عام، وكان يعاونها بقوة الشاعر صلاح جاهين، والكاتب لطفى الخولى.

ولكن حضور درية الأقوى، كان فى مارس 1954عندما تشكلت لجنة صياغة الدستور، عندما اعتصمت فى نقابة الصحفيين لكى تراعى تلك اللجنة الحقوق السياسية للمرأة، وجمعت معها سيدات كن متحمسات لهذا الأمرؤ، ولكن الدكتور طه حسين كتب مقالا شديد اللهجة تحت عنوان العابثات، واستفاض فيه بأن الأمر لا يسمح باعتصامات، وهذا عبث ما بعده عبث، وكان المقال بتاريخ 17 مارس 1954، وفى اليوم التالى مباشرة، رد عليه الكاتبان عميد الإمام وحسين فهمى، وأخذا عليه بعض الملاحظات، ولكن الدكتور طه كتب تعقيبا يوم 19مارس عنوانه “العابثات2″، وأمعن فى هذا المقال فى السخرية من الاعتصام، وعدم جدواه، مما دفع أحمد بهاء الدين لكتابة مقال فى مجلة روز اليوسف بتاريخ 22 مارس لائما على طه حسين هذا النقد، وكان عنوان المقال “الصائمات”، وفى العدد ذاته كتبت درية شفيق مقالا آخر عنوانه “طه حسين .. وعجائز الفرح!”، وبعد أن أبدت كل أشكال الاحترام لعميد الأدب العربى، توجهت بنقد لاذع لتوجهه ولوجهة نظره، مما استفز طه حسين، ليكتب مقالا ناريا فى العدد التالى 29 مارس ليسحق_تقريبا_ فيه درية شفيق، وجدير بالذكر أن هذا المقال للدكتور طه حسين، لم يفت فى عضد درية شفيق، ولكنها واصلت الاعتصام، حتى ذهب إليها على ماهر رئيس لجنة الدستور، وزارها هى ورفيقاتها فى الاعتصام، ووعدها بتنفيذ كل مطالبهن.

وخرجت درية شفيق من ذلك الاعتصام بطلة متوجة، وزعيمة شبه منفردة على عرش القيادة النسائية، وأصبحت لها شعبية كبيرة بين المثقفين والمبدعين الأحرار، والذين لم تقيدهم أفكار أو توجهات أو أيدولوجيات حادة، فقط أفكارها التى كانت تدعو لحرية المرأة فى كافة شئونها، وكان مريدوها يقرأون كل ما تكتب فى مجلتها “بنت النيل”، وفى الوقت ذاته لم تكن على هوى السلطة السياسية، وكذلك لم تكن على هو التكتلات التى تحالفت مع السلطة، لذلك عندما أن تبدى بعض أفكار لم تنل رضا القائمين على الحكم عام 1957 فى أول انتخابات برلمانية، تم قمعها ومنعها وإخراسها حتى انتحرت عام 1975.

بعد العام 1957 والدرس المستفاد من تجربة درية شفيق، هو خفوت الصوت النسائى السياسى والمطالب بمزيد من الحريات، أو تأميمه لصالح السلطة السياسية آنذاك، حتى رواية لطيفة الزيات العظيمة “الباب المفتوح”، جاء فصلها الأخير مفتعلا بدرجة كبيرة، حيث أنها نقلت أبطال الرواية إلى بورسعيد للمشاركة فى مقاومة العدوان الثلاثى على مصر، ومن البديهيات أن المقاومة كانت مطلبا وفعلا عظيمين، ذلك لو كان مجردا عن الرواية، ولكن وجوده فى الرواية كان مفتعلا بدرجة كبيرة، وهذا ما لفت إليه الانتباه ناقد لا غبار فى حياده ونزاهته مثل فؤاد دوارة فى حينه، وتم تدجين الحياة السياسية بشكل واسع، وكانت الكاتبات والمبدعات واقعات تحت هيمنة ذكورية فجة وواضحة، وكانت تصدر المجموعات القصصية المشتركة، دون استدعاء أى كاتبة فى تلك المجموعات، رغم وجود كاتبات مجيدات مثل صوفى عبدالله وأمينة السعيد وجاذبية صدقى ولطيفة الزيات وسعاد زهير وزينب صادق وفوزية مهران وغيرهن.

بداية الكتابة:

تتحدث نوال السعداوى فى كتابها “أوراقى .. حياتى” عن المكونات الأولى لثقافتها الأدبية، حيث كتبت كتابها الأول “مذكرات طفلة اسمها سعاد”، فى صباها الأول، وكان عمرها فى ذلك الوقت أربعة عشر عاما، وبالطبع لم تنشره إلا عام 1990، وقصة هذا الكتاب تعود إلى عام 1944 عندما طلب مدرس اللغة العربية كتابة موضوع إنشاء من ثلاث صفحات، واختار نوال هذا العنوان الذى ذكرناه، وظلّت أسبوعا كاملا تكتب حتى ملأت الكراسة، ورسمت رسمة طفولية على غلاف الكراسة، وعندما قرأ المدرس هذا الموضوع، أعطاها صفرا، وأخذت نوال الكراسة لتخفيها بين أوراقها، لتظل خمسة وأرعين عاما، حتى تكتشفها وتنشرها، ورغم أن الصفر الذى منحه المدرس لها، أحبطها وأقفها سنوات وسنوات عن الكتابة، لكنه لم يعطلها عن القراءة، بل بالعكس كان الصفر محفزا ومحرضا لها على القراءة.

ففى العام 1945، كانت نوال فى السنة الثالثة بمدرسة حلوان الثانوية، وكان قد تقدّم لها “عريس” يحمل درجة الليسانس، ولكنها رفضته بقوة، وراحت تبحث عن التعليم والقراءة والمعرفة والحرية، وظلّت هذه المفردات شبه مقدسات فى حياة نوال السعداوى.

كانت المدرسة داخلية، وكانت انشغالات البنات تتجسد فى فارس الأحلام، بينما كانت نوال تبحث عن الروايات والقصص، ورغم أن زميلة لها، كانت تنظر للقراءة بازدراء، إلا أن زميلة أخرى رمقتها بامتعاض عندما وجدتها تقرأ روايات وقصصا، وقالت لها:

_ روايات إيه وكلام فارغ إيه، ده كلام رومانتيكى!

وكانت نوال تسمع كلمة “رومانتيكى” لأول مرة، واتضح فيما بعد أن زميلتها سامية التى نطقت بهذه الكلمة، ابنة رجل كان عضوا فى الحزب الشيوعى، ومن ثم تعمّقت العلاقة بين نوال وسامية، وكانت سامية تحمل جريدة “الجماهير” السرية، جريدة الحزب الشيوعى، ولم تكن قادرة على قراءة هذه الجريدة إلا فى “المرحاض”، وكانت كلمات “العمال والفلاحون والطبقات الكادحة والبروليتاريا والبورجوازية والخونة إلخ” تتواتر أمامها فى هذه الجريدة، ورغم أن الوالد كان ينتمى إلى حزب الوفد، وكان له بعض المشاركات فى ثورة 1919، إلا أنه لم يعترض على توجه قراءات نوال ابنته، ولكنه كان مشجعا لها على القراءة، وبالتالى تفتح وعى نوال على قراءة الأدب، وبالأخص الروايات، وفى الإجازة الصيفية فى ذلك العام، قرأ الأب مؤلفها الأول “مذكرات طفلة اسمها سعاد”، وقال لها “انت عندك موهبة”، وقرأته أمها، وقالت لها: القصة حلوة يا نوال، والمدرس ده غبى”، تقصد المدرس الذى أعطاها صفرا.

ظلّت كلمات الأب والأم عالقة فى روح نوال، طوال سنوات الدراسة، حتى تخرجها من كليّة الطب، واشتغالها فى مستشفى الأمراض الصدرية بالعباسية، وكانت الحياة شبه رتيبة، إذ قضت عامها الأول 1958 تركب الأتوبيس بشكل يومى من الجيزة إلى ميدان التحرير، ثم الترام إلى العباسية، وتهبط فى نهاية الخط وهكذا، وفى ذلك العام اشتد المرض على أمها، حتى كانت نوال تعيش لحظات فزع وتأمل وخوف على أمها، وكانت تهرب من تلك الحالة إلى الكتابة، وكتبت أول قصة فى ذلك العام، وأعطتها لأحمد بهاء الدين الذى كان رئيسا لتحرير مجلة “صباح الخير”، ولكنه لم ينشرها، وقال لها : “أرجوكى يا نوال ابعدى عن الموضوعات الحسّاسة”، وعندما سألته: “وإيه يا بهاء الموضوعات الحساسة ده؟”، رد بهاء “الثالوث إياه، مش عارفاه؟”، قالت له: عارفه اتنين منه، ربنا وجمال عبد الناصر، والتالت مش عارفاه”، وهنا قال لها بهاء: التالت هو الجنس يا دكتورة”.

وتؤكد القصة أنها تخلو من الجنس بالمعنى المعروف، لأن القصة كانت تدور حول حرباء بلون الرمال، تلتقى بها بطلة القصة فى الصحراء كل يوم، وتهز لها ذيلها فرحا حين تراها، فتخاف منها، متخيلة أنه “حيّة”، ذلك الخوف الكامن لدى البطلة منذ الطفولة، تلك الحيّة التى تتحول إلى أفعى، إنها الشيطان الذى أخرج آدم من الجنة!، لكن هذه الحية تفرح بلقاء البطلة، وتقفز فوق التل رافعة ذيلها، وكانت عيناها تلمعان فى ابتسامة، إذ تخيلتها البطلة أنها صديقة لحواء، وهكذا تدور القصة حول رموز كثيرة وردت فى القرآن والتوراة، وهذا بالتأكيد ما دفع بهاء لرفض القصة، ولكنه شجعها بعد ذلك على الكتابة، ونشرت أول قصة وتقاضت عليها ثلاثة جنيهات، ومن هنا بدأت طريق الكتابة الأدبية.

أول مجموعة قصصية: 

فى ذلك المناخ المربك على المستويين الشخصى والعام، أعدت نوال السعداوى مجموعتها القصصية الأولى “تعلمت الحب”، غير حذرة من التعامل مع التابوهات القائمة والسائدة والمعوّقة بطريقتها الخاصة، رغم أنها قدمت المجموعة بحديث يكاد يكون تفسيريا لوجهة نظرها، إذ كتبت فى صدر مجموعتها الأولى: “كلما أمعنت النظر فى مشاكل حياتنا، زدت اقتناعا بأننا فى حاجة إلى مزيد من الحب والرحمة.. فالحب يجعل الحياة مقبولة بما يثيره فينا من أحاسيس، والرحمة تلطف الحياة برقتها وخيرها”، وزادت نوال فى تعريفها، موضحة أنها لا تعنى بذلك الحب الذى ينشأ بين رجل وامرأة، أو بين أب وولده، أو بين أم وولدها، معتبرة أن هذا الحب طبيعى، ولا يوجد مجهود للإنسان فيه، ولكنها تنشد الحب المبذول للغير، أى كان هذا الآخر.

واستطردت نوال فى تفسيرها لذلك الذى تبغيه، وأعطت المجموعة للكاتب الكبير يحيى حقى لكى يكتب لها مقدمة، والذى بدأ مقدمته حذرا وقائلا: “قد لا يرضى علىّ أساتذة النقد حين يروننى وأنا أتناول بترحيب قصة بقلم واحدة من بنات حواء، أجعل أول همى لا أن أتدبر شكلها ومضمونها والمذهب الذى تنتسب إليه، بل أن أعرف أكان حديثها حديث المرأة عن المرأة فأفرح به، أم حديثا يعتنق لغة الرجل ومنطقه، فأقول علينا ضاعت الفرصة وعليها؟، فأنا وليد مدنية ألفت وهامت بأن تصف المرأة بأنها لغز، هيهات لذكاء الرجل الفطن أن يسبر غوره! كل ما يعرفه منها أو يكتبه عنها نوع من الرجم بالغيب، وضرب من الحدس والتخمين، قد يكون فى هذا الوصف كثير من الوهم الغافل، أو النصب المتعمد”.

كم كان يحيى حقى عظيما جدا، وكم كان ديمقراطيا للغاية، وكم كان واضحا بشكل مفرط عندما أعلن أن النقاد سيغضبون منه عندما يدركون أنه يكتب عن كاتبة حرة، إنه كاتب حر وخارج السياق الذكورى والسلطى بدرجة ما، يكتب عن امرأة حرة _أيضا_ خارج السياق الذى رضخت له كاتبات كن فى ذلك الزمن مستسلمات إلا قليلا مثل سعاد زهير، والتى كتبت كتابا روائيا فى غاية الأهمية، وهو “اعترافات امرأة مسترجلة”، ونشرته على حلقات فى مجلة روز اليوسف، ثم صدرت فى كتاب فى نوفمبر 1961، وللأسف كتبت الدكتورة لطيفة الزيات مقالا طويلا فى يناير 1962 بمجلة المجلة، وهاجمت فيه الرواية بشكل واضح، ونفت عن أن يكون هذا الكتاب رواية، ومما جاء فى مقال د لطيفة: “..والسيدة سعاد زهير مارست حريتها ككاتبة، واختارت ضمير المتكلم لكى تروى عن طريقه القصة التى اختارتها، وكانت نتيجة هذا الاختيار أنها لم تستطع أن تقيم التجربة الحية التى تعرض لها، ولا أن تحدد معناها، وظلّت القصة فى نطاق التجربة الحية الفجة لا التجربة الفنية ذات المعنى الموحد، وخرج الكتاب أشبه ما يكون بوثيقة اجتماعية، أو بصرخة احتجاج ضد المجتمع الذى يظلم المرأة”، وهكذا تخرج د لطيفة رواية سعاد زهير عن فن الرواية بشكل مطلق، ولا يخلو المقال من سلسلة إرشادات ونصائح للكاتبة، وتنهى لطيفة مقالها قائلة: “..وأود أن أقول كلمة أخيرة .. إن السيدة سعاد زهير لو أرادت وأخلصت للعمل الفنى، ولو دعمت انفعالها الصادق وموهبتها بالخبرة الفنية فى قصتها التالية، لجاءت كسبا جديدا للقصة المصرية، وما أحوج القصة المصرية إلى مكاسب جديدة”.

وجدير بالذكر أن دلطيفة كتبت مقدمة لطبعة جديدة من الرواية التى صدرت عن مكتبة الأسرة عام 1991 تراجعت فيها مائة وثمانين درجة عن حديثها الأول دون إبداء الأسباب، إذ جاء فى مقدمتها قائلة: “..وقد سألت نفسى أول ما سألت ..هل مازالت هذه الرواية مقروءة كما كانت فى عام 1960، ووجدتنى أقرأها للنهاية دون أن أسقطها من يدى، وهذا يعنى أول ما يعنى توفر العامل الفنى للرواية، وجوهرية المشاكل التى تعرض لها، وتوفر العامل الفنى يعنى وجود عنصر التشويق من البداية للنهاية، على الإمساك باهتمام القارئ طيلة النص، وهذا ما تحققه سعاد زهير من خلال بنيان جيد للرواية يقوم على اختيار لحظات ذات دلالة فى حياة البطلة..”.

ولا أريد الاستفاضة فى ذلك الأمر، ولكننى أردت أن أعرض لارتباك النقد وانحيازه فى وقت ما من الزمن، وذلك لأسباب تبدو أيديولوجية أو فنية، ويتضح أن الأمر لا ينطوى على هذا أو ذاك، وكل ما فى الأمر أن د لطيفة كانت فى منطقة تنتصر للسائد فى ذلك الوقت، ثم انسحبت من تلك المنطقة، أو ربما لأن تنافسا ما كان قائما بين الكاتبات آنذاك، وبعد ثلاثين عاما زال هذا التنافس.

هذا هو المناخ الذى ولدت فيه مجموعة نوال السعداوى القصصية الأولى، مناخ مدجج بالتربص من ناحية، وبالتجاهل من ناحية ثانيا، رغم وفرة النقاد ووسائل التعبير، والأمر لا يتعلق بالسلطة السياسية المباشرة، ولكنه مرتبط بمحاولة تسييد وجهة نظر ورؤية نقدية معينة، فى مواجهة وجهة نظر أخرى، ولو لم يكن الأمر كذلك، فما الذى يجعل غالبية النقاد يتجاهلون كتابات السعداوى، فإذا كانت رواية سعاد زهير قد حظيت بالكتابة، وإن كانت كتابة سلبية، وأى كتابة فهى إعلان عن الكتاب، فمجموعة “تعلمت الحب”، لم تحظ بأى كتابة، ومرّت مرور الكرام رغم الشعارات التى كان يرفعها النقاد والمفكرون والساسة حول حريّة المرأة، مجرد شعارات رنّانة تفيض صخبا وضجيجا دون طحن حقيقى، ورغم أن المجموعة كانت تحظى بمواصفات فنيّة، وسمات فنية بديعة، لا ينقصها السرد الممتع، ولا الحوار الحى، ولا اللغة السهل الممتنع كما يقولون، ولا الناء الأسلوبى المبتكر، وهذا ما شهد به يحيى حقى فى مقدمته البليغة، إلا عندما أراد أن يداعب النقاد قائلا بأنه لو جاراهم، سيقول كذا وكيت، ولكنه أعلن بأنه أحب ما كتبت، رغم مخالفته لوجهات نظر النقاد، وكأنه أراد أن يعطى درسا لهم عبر مقدمة تكاد تكون موعظة، ورغم ذلك لم يعرها النقاد أى التفاتة، ولم يلتفتوا لكتابة نوال السعداوى الأدبية كلها إلا فى مناسبات قليلة، رغم أن العالم كله يدرك قيمة نوال ودورها وإبداعها وكل كتابتها بشكل عام.

وكما أسلفنا فالسعداوى كانت تتعامل مع كتاباتها بشكل عام، باعتبارها رسالة تحمل قدرا من المبادئ والمثل، ولكنها فى إطار الفن والإبداع، وربما تكون إبداعا خالصا، ومن يتأمل عنوان المجموعة الأولى “تعلمت الحب” يدرك أن السعداوى المنذورة للنضال النسوى، آثرت أن تختار التعلم، وربما دفعتها فطرتها إلى اختيار تلك المفردة، ودفعتها كذلك لكتابة المقدمة التفسيرية للحب، وهذا ماتجلى فى قصتها الأولى فى المجموعة، والتى تحمل العنوان ذاته، ورغم أن تلخيص القصص يخلّ بفنيتها، إلا أننا لا نملك غير ذلك، أملا فى استعادة هذه المجموعة البديعة والتى جاءت معلنة عن كاتبة ستشق طريقها بالجد والعمل والمثابرة والحب الذى أنشدته طوال حياتها، والقصة مستوحاة من واقع تجربتها كطبيبة، عندما ذهبت للمرة الأولى إلى إحدى القرى، لكى تستلم عملها هناك كطبيبة، وهناك استقبلها رجل فور نزولها من العربة، وما إن استقرت قدماها على الأرض حتى جاء رجال بالجلاليب ونساء بالطرح ينحنون على يدى الطبيبة لتقبيلها، وقادت هذه الحشود الصغيرة إلى البيت المخصص للمعيشة، وتسرد الكاتبة كافة أشكال الاحتفال، وأثناء ذلك جاء رجل اسمه محمود، وأعلن عن نفسه باعتباره المساعد والمعاون لها، وهو الذى سيقوم بكل الأعمال التى لا تتعلق بالطب، من توفير كل الخدمات، وبالفعل كان هذا الشخص الذى استثقلت ظله فى البداية، خير معاون، وخير أمين على حياتها وأعمالها، وتسرد الكاتبة أنواع التعاون التى لا يتغنى عنها أى شخص يعيش فى مكان غريب، وكان محمود لا يفارقها، للدرجة التى اعتبراته مثل الماء والهواء، فالناس لا يدركون قيمة الماء والهواء إلا عند غيابها، هكذا غاب محمود ليوم واحد، كان هذا اليوم نوعا من التعذيب، وأعطى فرصة للكاتبة لكى تعرب عن مشاعر الحب الكامنة فى الانسان، ولا تستدعيها إلا حدث الغياب الذى جرى لمحمود.

القصة بسيطة، ولكنها واضحة الملامح والقسمات، ولكنها ليست قصة دعائية بالمعنى المعروف، ولكنها تمتلك التقنيات الفنية التى كانت سائدة فى ذلك الوقت، ويلاحظ أن بطل القصة امرأة بشكل كبير، ويزاحمها فى البطولة محمود، تبدأ القصة بنوع من الريبة من طرف الطبيبة، حتى تتكشّف سمات الرجل المجهول، ورويدا رويدا تبدأ ملامحه الانسانية تكبر وتصبح كائنات موجودة بالفعل، ولا يستطيع الآخر أن يتخلى عنها بيسر وسهولة، الكاتبة استخدمت عوامل التصعيد الفنى، دون أن يسبق حدث حدثا آخر، وبالطبع فالقصة تنطلق من الدعوة التى تتحدث عن الحب بين البشر جميعا، وهذا ما تبدى فى كافة نصوص نوال الأخرى، حتى لو كانت القصص صارت أكثر قصة.

الحرب المعلنة بالتجاهل النقدى:

بعد صدور المجموعة القصصية الأولى، نشطت نوال السعداوى فى الكتابة الأدبية بشكل جاد، وراحت تنشر فى الصحف والمجلات وسط مناخ مدجج بالذكورية السلطوية، ولكى لا يكون الحديث على عواهنه كما يقولون، فما أصاب نوال السعداوى من تجاهل تام، كان يصيب أخريات، ورغم أنها أصدرت ثلاث مجموعات قصصية ورواية على مدى ست سنوات فى عقد الستينات، إلا أن ذلك لم يشفع لها أن تشارك فى أى مجلة تعد ملفا عن الكتابة القصصية، فهذه مجلة المجلة تصدر عددا خاصا عن القصة القصيرة فى أغسطس 1966، ورغم أن العدد اختار كتّابا جددا مثل ابراهيم أصلان ويحيى الطاهر عبدالله ومجيد طوبيا وغيرهم، إلا أنه لم يشرك نوال السعداوى وأى من الكاتبات فى العدد، وكأن كتابة القصة مقصورة على الرجال، وحدث هذا الأمر عشرات المرات فى ملفات وكتب وأعداد كاملة من مجلات لا تعتنى بكتابة المرأة الأدبية، حتى مجلة جاليرى 68 الطليعية، لم أضبط شاعرة ولا روائية ولا قاصة ولا كاتبة مسرحية مدرجة فى أى عدد من الأعداد السبعة الصادرة على مدى ثلاث سنوات، فقط لمحت قصيدة مترجمة لأبولينير، وقامت بالترجمة نادية كامل، بعد ذلك هل نسوق أدلة أخرى لكى ندلل على الحرب القائمة على الكاتبات، الحرب بالتجاهل.

صدرت المجموعة الثانية “حنان قليل” للسعداوى بعد صدور المجموعة الأولى مباشرة، أى عام 1961، ثم بعد ذلك بعامين أى عام 1963 صدرت مجموعة “لحظة صدق”، قدم لها الدكتور يوسف ادريس، ولكن قبل مقدمة يوسف إدريس، أرادت السعداوى أن تعلن عن وجعها الخاص وتصرخ، فكتبت فى صدر المجموعة: “كثيرا ما تألمت، ولكنى لم أعرف ألما أشد من ذلك الألم الذى يصيبنى حين أكذب على نفسى، وكثيرا ما سعدت ولكنى لم أعرف سعادة أعذب من تلك السعادة التى أشعر بها حين أعيش مع نفسى لحظة صدق، لتكن الحقيقة ما تكون، ولكنها تنطوى فى أعماقها على شىء ساحر منها نفسها مهما كانت، شىء لا يكتشف إلا فى لحظة الصدق التى نواجهها”.

إذن أدركت نوال وبشفافية أن الصدق هو الطريق الأوحد للسعادة، وبالتالى لم يحدث أن ساومت على مبادئها وأفكارها، وظلّت تعلن عنها فى كل ما تكتب، إنها ليست كاتبة خاملة، تكتب لكى ترضى الذائقة السائدة، أى ذائقة شيوخ الفتاوى المتطرفين، أو ذائقة الذكور الموروثة من السلف الطالح، تلك الذائقة التى تضع المرأة دائما فى محل الطاعة والخضوع والرضا المصطنع، ولكنها تعاملت مع الحقيقة العارية التى خسرت بإعلانها كثيرا من الأصدقاء والخصوم على السواء، هؤلاء الذين لا يريدون كاتبة متمردة، كاتبة خارجة عن السياق المرسوم لها، فإن خرجت، نالت ذلك التجاهل، وإن لم يصلح التجاهل، جاء الكرباج أو السباب والهجوم والتكفير، والشماتة فى رحيلها، وإطلاق النباح الذى يدوّى فى خرابات ظلامية كارثية.

فى المقدمة التى كتبها الدكتور يوسف ادريس، لاحظت أنها مقدمة عامة، وآثر إدريس أن يكتب عن نوال السعداوى الشخص، ولم يتطرق إلى القصص، وهذا تجاهل من نوع آخر، فبعد أن وصف رحلة السعداوى بأنها طويلة، من طالبة الطب المتحمسة الخطيبة مندوبة الطالبات الدائمة السائرة فى المظاهرات، إلى نوال السعداوى الطبيبة التى زاولت الطب حتى استحال وظيفة، وبعد استعراض ادريس لمسيرة السعداوى الطبية والوظيفية، أعلن: “..أخيرا كان لحيرة نوال السعداوى أن تنتهى، ولتقلبها العنيف أن يهدأ، وللجمرة المقدسة الكامنة فى صدرها أن تلمس الناس وتحركهم وقد وجدت المخرج”، وكان إدريس حريصا على إثبات أن “نوال” هى التى طلبت منه كتابة المقدمة للمجموعة: “.ولقد أسعدنى أن تطلب منى نوال السعداوى أن أقدم لها هذه المجموعة لأشياء كثيرة ليس أقلها أننى كنت شغوفا بقراءة مجموعة منتقاة من إنتاجها القصصى أو الحقيقة أننى – لتفرق الجهات التى تنشر فيها – لم يكن قد أتيح لى أن أقرأ لها سوى قصة واحدة..”!، وما جاء فى المقدمة رغم أنه كثير، لم نقرأ ما ينم عن أن يوسف ادريس قرأ قصص المجموعة، ولم يدل برأى واضح أو نقدى، ولكنها جاءت عامة، ليثبت فى قرب نهاية المقدمة أن المجموعة “حدث فى حركتنا الأدبية، فلقد بدأ الأدب النسائى عندنا فى أعقاب الثورة الوطنية الأولى كعلامة من علامات تحرر المرأة ورغبتها فى المساواة بحقوق الرجل، وربما لهذا جاء هذا الأدب (رجاليا) محضا يريد أن يطاول الرجال فيما تخصصوا فيه وحذقوه”.

وهذه الفكرة الأخيرة هى التى سادت عن نوال السعداوى، وهى التى رددها كثيرون فيما قبل وفيما بعد، ويوسف ادريس كتب ما شاع عن نوال السعداوى آنذاك وبعد ذاك، وهو أن المرأة تناضل من أجل أن تتساوى بالرجل، كى تصل إلى مرتبته، وهذا الرأى إهانة بالغة أو عدم فهم لرسالة نوال، ويأتى هذا الكلام كأنه هجاء فى مقام مديح، وإذا كان إدريس كتب ذلك عام 1965، نجده فى كتاب الدكتور شكرى محمد عياد الصادر عام 1999 بعد رحيله، وهو تجميع لمقالات كتبها فى مجلة الهلال تحت عنوان “القفز على الأشواك”، وكان عياد كتب مقالا عن الجزء الأول من مذكراتها “أوراقى..حياتى”، ورغم أن المقال كان متعاطفا فى كثير من الأحيان مع نوال ورحلتها ونضالها وأفكارها، إلا أن أستاذنا عياد راح يأخذ عليها مركزية الذات، والإفراط فى تأكيدها، ويعلّق على بضعة أشياء صغيرة، ويعطيها أهمية زائدة، لذا يقول “إن هذه المركزية تتحول فى أحيان كثيرة إلى انطباعية مسرفة”، ويسوق مثالا عابرا مقتبسا من الكتاب : “إنها مثلا تجعل ارتجاج التاكسى حين يقع فى حفرة ناتجا عن خفقة قلب”، ويضيف: “وهناك قدر كبير من المعلومات التاريخية الخاطئة التى يمكن أن يحصل عليه القارئ من كتاب نوال السعداوى”.

لطيفه الزيات وعلى الراعى يقدمان السعداوى:

لم تتوقف السعداوى عن الكتابة رغم التجاهل المطبق لها على وجه الخصوص، ولغالبية الكاتبات بقوة، فتصدر عام 1965 كتابها “مذكرات طبيبة”، والتى كانت نشرته منجما فى مجلة روز اليوسف، وفيه تثير بشكل واضح وحاد الصراع بين الصراع بينها وبين أنوثتها المعلنة، وتعلن بأنها اكتشف ذلك الصراع مبكرا، وعملت على فهمه ودراسته ومقاومة أى ضغوط مجتمعية تنفى وجودها كإنسان، مثل تمييز الأخ فى البيت، ثم التلميذ فى المدرسة، ثم الطالب فى الكلية، ثم زميلها فى العمل، وفى هذا الكتاب صغير الحجم، تفتح نوال السعداوى النار على الذكورية المجتمعية الوظيفية السلطوية، دون أقنعة قصصية أو روائية، ومنذ صدور ذلك الكتاب، تم تصنيف نوال السعداوى باعتبارها مناضلة نسوية، وعلى المستوى نفسه، تعمّقت مساحة التجاهل لها كأديبة وككاتبة قصة وكاتبة روائية، وبعد ذلك كاتبة مسرحية، رغم أن مجموعتها القصصية الرابعة “الجدار” التى صدرت عام 1972 كتب مقدمة لها الناقد الدكتور على الراعى، كذلك كتبت مقدمة ثانية دكتورة لطيف الزيات، وفى الوقت الذى تحدث الراعى عن المجموعة كلها بروح نقدية مسئولة، كتبت الزيات عن قصة واحدة وهى القصة البطل، والتى حملت عنوان المجموعة كلها، واعتبرتها د لطيفة أنها تجربة فنية جديدة، وجريئة ومثيرة وغريبة فى الوقت نفسه.

رغم كل هؤلاء النقاد والمبدعين المرموقين “يحيى حقى ويوسف ادريس ولطيفة الزيات وعلى الراعى”، الذين قدموا كتابات نوال السردية والقصصية على وجه الخصوص، ورغم أن تلك القصص تم ترجمتها إلى لغات عالمية حية كثيرة، إلا أن الحصار ظل مضروبا على كتابات نوال السعداوى، وهذا ليس ترصدا لشخصها المبدع دون عن الكاتبات الكثيرات، ولكن هذا التجاهل ينطلق من المنظومة الذكورية السلطوية المهيمنة، تلك الذكورية الموروثة عن ثقافة قديمة سلفية كرّست لذلك التجاهل الفادح، وكنت أندهش من كثير من الرسائل العلمية التى تناولت فن القصة القصيرة، وعجزت تلك الرسائل عن تناول كاتبة واحدة، وللأسف صدر عدد ضخم من منجلة فصول الموقرة فى يوليو 1982 عن “القصة القصيرة .. اتجاهاتها وقضاياها”، ولم يتناول كاتبة للقصة واحدة، وليست نوال السعداوى فحسب هى المقصودة، ولكن إبداعات نوال السعداوى الفكرية الأخرى قد أثارت جدلا إضافيا، جعل الكثيرين لتجاهل شبه رسمى لإبداعها القصصى والروائى، وجعل أيضا من المتطرفين منصة هجوم مطلق عليها، والقاعدة تقول بأن الشجر العالى والمثمر، هو الذى يلقى بالحجارة، وقد صدر كتاب كامل فى هجاء نوال السعداوى، وتكفيرها، وهو كتاب “المواجهة د نوال السعداوى فى قفص الاتهام”، وفى هذا الكتاب تم تجميع كافة القضايا التى تناولتها السعداوى، وتم تناولها بالتسخيف والتحقير والتشهير دون هوادة.

فى ذلك المناخ الذى كان سائدا، قديما وحديثا ظلت نوال السعداوى تحارب دون أن تسقط رايتها، ودون أن تتنازل عن أفكارها، وظلّت تدفع ثمن ذلك غاليا طوال حياتها حتى الرحيل.

شذرات من مذكراتها:

فى الجزء الأول من مذكراتها، تسرد نوال السعداوى قصة حياتها، وهى قصة حياة كل امرأة فى بلادنا، الأنثى التى تولد، فوتولد معها كل مشاعر الغضب والعجز وربما العار، وكلما ازدادت البيئة تخلفا ورجعية، ازداد حجم وكيف المشاعر السلبية تجاهها، عكس المشاعر التى تولد مع الابن الذكر وولى العهد والوريث الأقوى، والذى يحمل اسم العائلة فى البطاقة، وفى كل المناسبات العامة والخاصة، وتأمل أو تريد الأسرة تخليد اسم الأب والجد وجد الجد، ولا مكان للمرأة على وجه الإطلاق فى البطاقات الرسمية.

تحدد السعداوى تاريخ ميلادها وظروف الميلاد وطبيعة التلقى لها: “أول خيوط الفجر تلك الليلة من أكتوبر، قبل أن تخرج الشمس إلى الأرض المحددة على الخريطة بنقطة صغيرة لا تراها العين، فوق الخط الرفيع كالشعرة يشق الصحراء من الجنوب إلى الشمال تحت اسم النيل، ومع الدقة الرابعة المتحشرجة كالنفس الأخير لساعة الحائط، انطلقت الصرخة من فوق السرير النحاسى الأصفر ذى الأعمدة الأربعة، صرخة واحدة لامرأة فى المخاض تبعها صمت طويل ثقيل كأنما ماتت الأم والمولود معا”

هذا الوصف الذى سردته السعداوى فى مستهل مذكراتها، ظل عالقا بذاكرتها وبحياتها بشكل كامل، فى البيت والمدرسة والجامعة والعمل والمجتمع ككل، وقد عملت السعداوى ما يشبه المستحيل لكى تهزم هذه القوة المجتمعية الغاشمة، والتى تتربص بالمرأة، وبكل ما يبدر عنها فى من أفعال، وكانت الكتابة هى خط الدفاع الأول الذى تعيد صياغة نفسها وأفكارها وأفعالها صياغة جديدة، وعلى إيقاعات الحرية والانطلاق والطبيعة التى خلقها الله، وحاول وتحاول كل القوى الغاشمة تكميمها وتقييدها ووضعها فى أقفاص حديدية، باسم الدين مرة، وباسم الأخلاق مرة أخري، وفى الحقيقة تعددت قوى الطغيان واستبعاد واستعباد المرأة، والقيد واحد، وفى كل الأجيال والعهود، وربما القوانين، التى تسنّها سلطات قامعة ذكورية بامتياز.

وفى شهادة بديعة نشرتها مجلة “فصول” يناير 1992 تحت عنوان “تجربتى مع الكتابة والحرية”، تكتب نوال السعداوي: “..منذ انفتح عالم الحروف والكتابة أمامى بدأت أسير فى طريق آخر غير الطريق المرسوم لى قبل أن أولد، كان التاريخ العبودى منذ الفراعنة قد رسم طريق حياتى من المهد إلى اللحد، كما أنه شكّل السلطات المنوطة بتنفيذ ذلك، ابتداء من سلطة الأب والزوج فى الأسرة الصغيرة، إلى سلطة الدولة والقانون والمؤسسات، وسلطة الدين والشريعة، وأخيرا السلطة العليا، أو الشرعية الدولية”.

وربما تكون كتابات نوال السعداوى المتعددة، من قصص وروايات ودراسات علمية، إلى كتابة المذكرات التى تغلب على معظم كتاباتها، ثم الرحلات، تحاول السعداوى مقاومة كل هذه السلطات، ليست مقاومة عشوائية أو غير منظمة، بل كتابة تكمن خلفها رؤية واضحة وحادة وذات طبيعة قتالية، فضلا عن ميلها الطبيعى والأدبى إلى الكتابة: “..وأنا طفلة اكتشفت أن الكتابة هى وسيلتى الوحيدة للتنفس”، وتؤكد بأن الكتابة هى المناخ الطبيعى الذى يدخل الهواء إلى صدرها، وهى التى تستطيع أن تقاوم كافة السلطات التى تجمعّت وتلاحمت فى قوة واحدة لسحق هذا الكائن الذى يسمى المرأة.

وكما أن الكتابة كانت مناخا للتنفس والحرية والحياة المرجوة، كانت جالبة للمتاعب، والاتهامات، حيث إن مساحة الحرية تكون أوسع وأشمل وأجرأ فى الكتابة، ولذلك تنطوى كتابة نوال السعداوى على جرعة حادة وعميقة من المواجهة الحادة والجادة، إنها كاتبة مواجهة من طراز أول، ولذلك تستبعدها السلطات المتنوعة من المهرجانات الشكلية والديكورية، وقد تتعمد بعض الجهات إحراجها، وما كان تعرضها للاعتقال فى سبتمبر 1981 إلى معاقبة لها، لأنها كانت تجهر بحقوق شبه مستلبة بالفعل” فى تجربتى الحياتية داخل السجن عام 1981_ قضيت الليل والنهار أبحث عن الجريمة التى اقترفتها، لم أدخل أى حزب سياسى، لم أقترف خيانة زوجية، لم أحمل سفاحا، لم أسبّ أحدا، بعد ثمانين يوما وليلة من البحث داخل الزنزانة، أدركت أن جريمتى هى عدم فناء ذاتى فى ذات رئيس الجمهورية”.

الكتاب الممنوع:

أريد أن أعترف بأننى لا أترك أى فرصة يأتى الحديث فيها عن نوال السعداوى، إلا وأسوق فيها قضية ذلك الكتاب، ولا فكاك من ذكر القضية المثارة حوله هنا، ولا بد أن أشير هنا إلى ذلك الكتاب الممنوع الذى ترجمه الدكتور فخرى لبيب منذ سنوات بعيدة عن إبداع السعداوى، وهو كتاب للدكتورة والباحثة الأمريكية من أصل فلسطينى “فدوى دوجلاس مالطى”، وبعدما ترجمه المترجم الراحل الكبير الدكتور فخرى لبيب بتكليف من المجلس الأعلى للثقافة، ومن الدكتور جابر عصفور شخصيا، عندما كان أمين عام المجلس، تم الاعتراض على بعض من الأفكار الواردة فيه، وظلّ الكتاب يتأرجح فى المراجعة بين المجلس والدكتور فخرى والمؤلفة، وحدثت عدة تغييرات، وفى النهاية تم رفضه تماما من المجلس الأعلى للثقافة، وتم تسريب النسخة الخطية من المجلس، لكى يصدر الكتاب عن “مطبوعات دار المستقبل” وبشكل مشوه تماما، باسم أديبة شابة، لم تبذل أى جهد فى الكتاب سوى تشويهه، تحت لافتة “إعداد وتلخيص”، وكان هذا الأمر من إحدى مرارات الدكتور فخرى لبيب، وظلّ الكتاب الأصلى راقدا فى مكتبة الراحل فخرى لبيب، حتى طلبه الدكتور وحيد عبد المجيد، لكى ينشره فى “مركز الترجمة بالأهرام”، ولكن الدكتور وحيد بدوره، انشغل بعدها بأمور سياسية عامة وحادة، بعدما حصل على نسخة خطية من الكتاب، وأهمل طباعة ونشر الكتاب، وهكذا تم إعدام هذا الكتاب المهم، بل الأهم فى الدرس النقدى الذى تناول أعمال الدكتورة نوال السعداوي، والكتاب فى نسخته الخطيّة الأولي، فى حوزتى، ولا ينتظر سوى إعادة التواصل مع المؤلفة الدكتورة فدوى دوجلاس مالطى لإعادة نشره فى صورته الصحيحة، ربما يكون ذلك تكريما طيبا لكاتبة ومفكرة ومقاتلة من أجل حقوق الانسان عموما، والمرأة بشكل خاص، تحمل اسم نوال السعداوي.

عندما صرخت فى معرض الكتاب:

كانت المرة الأولى التى التقيت فيها مع نوال السعداوى، عندما كانت تعقد ندوات فى جمعية التضامن المرأة العربية، وذلك فى عام 1986، وكانت ضيف الندوة الدكتور لويس عوض، وكان يحاوره الدكتور فرج فودة من القاعة، وكانت الدكتورة نوال تدير الندوة فى ذكاء لامع، وكانت تحاور لويس عوض باقتدار ومعرفة ومسئولية، كما كان فرج فودة كذلك.

المرة الثانية عندما تعرضت روايتها “سقوط الإمام” للهجوم المتطرف من الجماعات الرجعية، ووضعت السعداوى على قائمة المستهدفين للقتل، وطلبت الدكتورة نوال أن نعقد لها ندوة حول الرواية، وبالفعل عقدنا الندوة وحضرها الدكتور صلاح السروى، الذى تحدث باستفاضة عن الرواية، معلنا أن الهجوم المفتعل على السعداوى، ليس هذه الرواية فقط، بل هدفه قتل مشروع نوال السعداوى نفسها، وتحدثت نوال السعداوى حديثا هادئا ولكنه كان شجاعا ومتماسكا، ويضع النقاط على الحروف، كذلك تحدث الدكتور شريف حتاتة عن رفيقته حديثا عاشقا ومنتصرا لكل حرف كتبته منذ أن جعلت من القلم سلاحا فى وجه الظلاميين.

وبالطبع كانت هناك لقاءات أخرى واتصالات تليفونية، كانت تستفسر فيها عن معلومات ما، ودار بينى وبينها فى نهاية عام 2013 حول شكواها الدائمة من تجاهل المشرفين على ندوات معرض الكتاب، وكنت فى ذلك الوقت أشرف على أنشطة المقهى الثقافى، فقلت لها: هل من الممكن أن تقبل استضافتها فى دورة عام 2014، فقالت لى: طبعا أوافق، ولكنهم لن يوافقوا، قلت لها: من هؤلاء الذين يرفضون دعوة نوال السعداوى؟، فقالت لى بأن كارهين كثيرين يعرقلون ظهورها فى أى مكان، وأردفت: اسأل الإدارة أولا، ثم نتفق، وبالفعل هاتفت الدكتور أحمد مجاهد الذى كان يشغل رئيس مجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للكتاب، وقلت له عن تلك الاستضافة، ولكنه اندهش كثيرا، لأنه بالفعل لم يكن يتدخل بصفته سلطة أبدا، ولم يعترض على أى فعالية بشكل مطلق، وحملت لها الموافقة، وسعدت جدا، وهاتفت الدكتورة الروائية جمال حسان فى لندن لكى تقدم اللقاء، وطلبت السعداوى سيارة فى الحضور والعودة، وجاء يوم الندوة، وأرسلنا لها السيارة، وآثرت أن تهبط فى فضاء المعرض لكى تلتقى بالناس، وقطعت المسافة التى لا تستغرق خمس دقائق فقط بين هبوطها ومقر المقهى، فى أكثر من ساعة، وذلك لحرارة الحوارات التى كانت تدور بينها وبين جمهور ها الذى كان يلتف حولها بحب شديد، وعندما صعدت إلى المنصة، كانت فى البداية هادئة تماما، وأشفقت بالفعل عليها، وتساءلت بينى نفسى: هل ستستطيع نوال السعداوى صاحبة الاثنين وثمانين عاما أن تخوض حوارا مع جمهور لا يكل من طرح الأسئلة، وظلّت نوال هادئة فى العشر دقائق الأولى، وبدأ محبوها يتوافدون، وكلما ازداد عدد الحضور تحت خيمة المقهى، كان صوتها يرتفع ويعلو، ولا يخلو من المرح، ولكنه مرح ممزوج بالحزم، وكانت ترد وتعقب فى وعى شديد، حتى سألها أحدهم : كيف استطعت أن تقولى وتعلنى أفكارك الجريئة والشجاعة فى واقع عربى صعب المراس، وبين جماعات وقوى ضغط رجعية، هنا علا صوت نوال السعدواى للدرجة التى خلتها وكأنها تهتف بين جماهير وحشود وقالت: أنا لا أرى نفسى جريئة، لكن العالم هو الذى جبان، والحياة علمتنى ألا أسير مختالة تحت أقواس النصر”

لا أنسى ذلك الحماس الذى انتقل من المنصة إلى القاعة، التى صفقت بقوة لا نظير لها تحت القاعة الفقيرة، فى خيمة المقهى الثقافى عام 2014، لنوال السعداوى الخلود، ولمحبيها العزاء فى مسيرتها وأفكارها ونضالها الذى يظل ملهما فى تاريخ المرأة الحرة والمستقلة.

*ناقد مصري

شاهد أيضاً

د.هاشم صالح*/لماذا انتصر محمد أركون؟

كنت قد شرحت أكثر من مرة سبب تفوق أركون على جميع المثقفين العرب الذين تصدوا ...