الرئيسية / أخبار ثقافيه / علي القاسمي*قصة “الكومه” مع قراءات نقديه

علي القاسمي*قصة “الكومه” مع قراءات نقديه

الـكـومـة*/قصه قصيره بقلم : علي القاسمي

          كانت العَتَمة تلفُّ أشجار الحديقة العامَّة ونباتاتها، فـتُخـيَّل إليه كأشباحٍ سودٍ طويلةٍ وقصيرةٍ ذواتِ أذرعٍ متعدَّدة متحرِّكة مثل إخطبوط هائل داكن. وكانت أمطار الليلة الماضية على الأرض قد تجمّدت، هنا وهناك، صقيعًا يتكسَّر تحت وقع قدميْه. وعصفتْ رياحٌ ثلجيَّةٌ تخترق القلنسوة التي يعتمرها، وتلسع أُذنيْه وأنفه وشفتيه فتحيلها حمراءَ قانيةً كعرف الديك. وأخذتْ أنفاسه اللاهثة المتلاحقة تتناغم مع اصطكاك أسنانه وارتجاف أوصاله. وفيما هو يجري مسرعًا مكدودًا، لاحتْ له كومةٌ قاتمةٌ على جانب الممرّ. ولم يكُن لديه متَّسع من الوقت، ليمعن النظرَ أو يطيله في تلك الكومة؛ فاكتفى بأنْ حسبها مجرَّد كومةِ أحجارٍ جُلِبتْ لترميمِ سياج الحديقة العامَّة، أو ركام أغصان تجمَّع من جراء تشذيب الأشجار. لا يهمّ.

            في فجر اليوم الثاني، انطلق كعادته كلَّ يوم يمارس رياضة العدو في الحديقة العامَّة المجاورة لمنزله. وفي الغَلَس، لمحَ الكومةَ ما تزال في مكانها على جانب الممرّ. وعندما اقترب منها هذه المرَّة ندَّت منها حركةٌ مريبةٌ. ولم يكُن لديه من الوقت الكافي ليدقّق النظر أو يطيل التأمُّل، إذ كان عليه أن يعود إلى المنزل مباشرة للاستحمام، وتناول طعام الفطور، والتوجُّه إلى مقرِّ عمله في المصنع قبل الساعة السابعة صباحًا؛ ولهذا اكتفى بافتراضِ أنَّ الحركة صادرةٌ من واحدٍ من الكلاب أو القطط السائبة التي تتّخذ من الحديقة ملجأً. لا يهمّ.

            في اليوم الثالث، وفيما هو يركض مقتربًا من الكومة ذاتها في المكان نفسه على جانب الممرِّ، تراءى له ما يُشبه اليد ممدودةً منها. وبعد بضعِ خطواتٍ، توقَّف عن الجري ليعود القهقرى إليها، ويحدّق فيها؛ فإذا بها امرأةٌ عجوزٌ متلفِّعةٌ بعباءةٍ سوداءَ، تسند ظهرها إلى شجرةٍ كبيرةٍ من أشجار الحديقة. ظلَّ مطرقًا هنيهة، ثمَّ دسَّ يده في جيبه وأخرج بعض النقود، ووضعها في اليد الممدودة في العراء. ولكنَّها لم تقبض النقود، فسقطتْ على الأرض. التقط النقود، وحطّها مرَّة أُخرى في يدها، ونبهها بالمناداة، ولكنَّها ظلّت صامتةً، ولم تقبض النقود. لمسَ كفها وحرّكها بلطف لعلَّها كانت غافية وهي جالسة. ولكنَّ برودةً مريعةً سرتْ من يدها إلى أصابعه، وأشاعت في جسده قشعريرة وتوجّسًا. وقبل أن يتاح له القليل من التفكير، مال جسم المرأة بأكمله مع تلك الحركة الخفيفة، لتسقط على الأرض جثةً هامدة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*من مجموعة علي القاسمي القصصية، أوان الرحيل ، الطبعة الخامسة. الدار البيضاء: دار الثقافة، 2019.

القراءه الأولى : بقلم الحسين بوخرطة*

ولد علي بن الحاج محمد بن الحاج عيسى بن الحاج حسين القاسمي (المعروف بالدكتور علي القاسمي)، أشهر النقاد والقصاصين العرب، في بلدة الحمزة الشرقي في محافظة القادسية في العراق في 31/5/1942. اختار في ريعان شبابه، أي منذ سنة 1972، أن يقيم ويعيش في المملكة المغربية.

تعد قصته “الكومة” من روائعه الإبداعية نظرا لغناها اللغوي وما تحتمله من تأويلات جد إيجابية وبناءة. إنها قصة معبرة عن قدرة اللغة على الإيحاء، بدون نفي مفهوم القصدية وارتباط اللغة ذاتها بغرض قائلها. بطلها يتحدث بضمير الغائب، بتعبيرات لفظية تتفاعل معها الروح بنفسية متوترة، لا تتيح أي هامش للحياد. البطل رجل متعود على ممارسة رياضة الركض فجر كل يوم بطقوس قارة دالة على تنشئته على الانضباط وتدبير الوقت، والتركيز على الذات. إن عمله في القطاع الخاص، عكس السائد في القطاع العام، حوله إلى فاعل يتصارع مع الزمن، بمهام لا تسمح له بالتركيز على تفاصيل الأحداث من حوله، خاصة تلك الخارجة على نطاق ما رسمه له مدبري المعمل.

وهو متعود على هذا النمط في العيش، الذي ترسخ لديه بفعل الضوابط الاعتيادية، تعرض لحدث عارض، لاحقه لمدة ثلاثة أيام. إن التساكن الاضطراري لتعوداته النفسية التي تبعده عن التركيز على تفاصيل الأحداث الخارجة عن نطاق فضاء أنشطة ساعات يومه المهنية من السابعة صباحا إلى غروب الشمس مع خاصيات الحديقة العمومية التي يركض بها يوميا (المرفق العام بأوصاف المتشابهة نسبيا عربيا ومغاربيا)، خلق منه كائنا بشريا نمطيا ومبرمجا. لقد زج به مبكرا في عالم اللامبالاة وعدم استحضار أي فائدة أو حاجة للتركيز على التفاصيل، حتى لو كانت معاناة إنسانية. حرصه على التركيز على الماديات (جسم سليم ومتنافس مهنيا تحت إكراه الخوف من نقصان أو فقدان الطاقة الاستهلاكية) جعله لا يأبه بأي انشغال خارج عن نطاق مسارات تحقيق أهدافه المسطرة مسبقا. وهنا، في اعتقادي، يكون القاسمي قد أغنى رسائل وعبر القاص يوسف إدريس في موضوع التنشئة على الصمت أمام الخطأ والخطيئة، بإبراز سلوك جديد، سلوك الأنانية واللامبالاة اتجاه القضايا والأحداث الخارجة عن اهتمام ذات الفاعل. فالقطاع الخاص في القصة (المعمل)، كمقابل للقطاع العام (الحديقة العمومية)، يجسد منطق الليبرالية كنمط إنتاج وسلوك بشري جديد، تغلب عليه النمطية والحركات المكانيكية، التي تتحول مع فعل التكرار إلى روتين مبرمج. أما أوضاع القطاع العام بلوبياته المتحكمة والمستفيدة، فقد نالت قسطا كبيرا من تأويل عبارات النص القصصي. لقد جسدها الكاتب بتشبيهها بحالة الطقس السلبية السائدة في تلك الأيام حيث العَتَمة التي تلف الأشجار التي يُسقط عليها مشاعر الرجل القلقة فتتراءى له أشباحا أخطبوطية (كانت العَتمة تلفّ أشجار الحديقة العامّة ونباتاتها، فتُخيّل إليه كأشباح طويلة وقصيرة ذوات أذرع متعدّدة متحرّكة مثل أخطبوط هائل داكن). ولإبراز موقف أو تمثلات البطل في شأن طبيعة أوضاع المرفق العام، المشوب بالفوضى واللامبالاة وانعدام الضمير المهني والجمود والصراع من أجل الاغتنام،…. تطرق القاص للوصف المتساوق لحالة الرجل الجسديّة المكدودة (اصطكاكُ أسنانٍ وارتجافُ أوصال) وهو يؤدّي مرغما طقساً روتينيا محاولا التكيف مع مظاهر البيئة من صقيع وعصف ريح في الحديقة العامة (النص: كانت أمطار الليلة الماضية على الأرض قد تجمّدت، هنا وهناك، صقيعاً يتكسّر تحت وقع قدميه. وعصفتْ رياحٌ ثلجيّة تخترق القلنسوة التي يعتمرها، وتلسع أذنيه وشفتيه فتحيلها حمراء قانية كعُرف الديك. وأخذتْ أنفاسه اللاهثة المتلاحقة تتناغم مع اصطكاك أسنانه وارتجاف أوصاله).

إنه يحيلنا على واقع مفروض يتطلب تحمل مشاق التكيف باعتناق سلوكين لا ثالث لهما، الأول أساسه التشبث بموقف اللامبالاة والتركيز على الذات وقبول قانون اللعبة على رقعة الشطرنج المغشوشة (خيار سهل يدمج صاحبه بيسر وبدون معاناة أو جهد كبير في عالم المصالح)، والثاني، بطبيعته الصعبة، يرتكز على المروءة والنضال والتدافع باستحضار مصلحة الذات المشروعة في إطار سياق الرفع من مستوى المصلحة المجتمعية. فالمواطن في إطار دولة مؤسساتية يكون دائما مرغما للتوجه إلى المرفق العام كيف ما كانت جودة أوضاعه (مكان موحش). إنها أوضاع منظومة تعيش معاناة سكرات الموت بسبب الإهمال. الدلالة في النص واضحة. لمح الكاتب “كومة” قاتمة بسرعة أثناء جريه ولم يعرها أي اهتمام، وكأنه يعتبر ما رآه أمرا أو حدثا طبيعيا، مستحضرا في مخيلته في الآن نفسه أن الوضع سيكون متغيرا لو كان الأمر يتعلق بحديقة خاصة مثل المعمل (النص: وفيما هو يجري مُسرعاً مكدوداً، لاحت له كومةٌ قاتمة على جانب الممرّ. ولم يكن لديه متّسع من الوقت (سرعة إيقاع حياة نمط العيش الليبرالي)، ليُمعن النظر أو يطيله في تلك الكومة، فاكتفى بأن حسبها مجرّد كومة أحجار جُلِبَتْ لترميم سياج الحديقة العامّة، أو، ركام أغصان تجمّع من جرّاء تشذيب الأشجار . لا يهمّ.)

لقد أبرز الكاتب من خلال عبارات إبداعية حدة القلق التي تنتاب المثقف كلما استحضر فرضية موت المرفق العام بفعل الإهمال والتسيب. لقد وصف انعدام الوضوح والشفافية بالغلس (ظلمة آخر الليل إِذا اختلطت بضوء الصباح)، وهو وقت مُبكّر جدا (توقيت مرتبك) لممارسة رياضة الجري، وهو في نفس الوقت “العادةُ” المختومة بأحوال عاصفة غمرت فضاء الأحداث المتتالية بلحظات معاناة شبيهة بشدة سكرات الموت، كنهاية محتومة لحياة كائن بشري يترك مكانه لجيل جديد.

العام كفضاء يستوعب الجميع لا يمكن أن يترك أحدا محايدا. وبذلك أحدث الكاتب نقلة في “التأويل” بين اليومين. تغيرت تمثلاته من اليوم الأول الذي اعتبر فيه الكومة مجرد أحجار أو ركام أغصان، إلى اليوم الثاني الذي ندّت فيه حركة مُريبة مع افتراض كونها مجددا حركة صادرة من واحد من الكلاب أو القطط السائبة التي تتخذ من الحديقة ملجأً (وهنا طرح فرضية التنقيص من قيمة الفضاء العام بإثارة عبارات “التسيب” “السائب” “ضالة” وإبراز عدم حاجته للكفاءة). موقف البطل المعبر عن اللامبالاة رغم تكرار الإشارات المنبعثة من الكومة مرده (عدم تقرّبه من الكومة ليطلع على حالها) هو انعكاس لتوجسه من العام. لم يعط لنفسه أي فرصة لاحتمال شيء آخر، كأن تكون هذه الكومة المُهملة “إنساناً” مثلاً. هو الراكض الهارب من أي تفكير يقلق راحته. ما يهمه هو ذاته. غض الطرف جعله يضع أولوياته الترفيهية الشخصيّة فوق كلّ اعتبار، متناسياً كل ما يحيط به أو يصادفه من متغيرات تستحق الالتفات. الأنا بالنسبة له هو التركيز على الرياضة من أجل الصحة وسلامة جسده وكماله والتمتع بملذات الحياة. إنها أنانية مادية لا يمكن أن يتولد عنها إلا الفزع من الموت. فإثارة توقيت اللحاق بالعمل هو تعبير عن ارتباط البطل بالأجر والمردودية في القطاع الخاص، ارتباط جفّت من خلاله المشاعر الإنسانية، وتفاقمت حدة استعباد متطلّبات الحياة للأفراد والجماعات.

إن موت المرأة العجوز هو تنبيه مقلق ودق لناقوس الخطر زمن ما بعد الحداثة في مجتمعاتنا العربية والمغاربية. هو كذلك تحذير قبل فوات الأوان من وقوع خراب الحياة في مجتمعاتنا. ففي اليوم الثالث تراءى له ما يُشبه يد ممدودة من الكومة. ومع ذلك، بسبب حرصه على تجاهل التفاصيل، حتى ولو كانت مرتبطة بمركز كينونة الفرد ومجتمعه، سمح لنفسه بتجاوز ما رآه بخطوات، ثمّ تدارك الأمر وعاد أدراجه، فإذا بها امرأة عجوز متلفّعة بعباءة سوداء. فقرار العودة إلى الكومة هو إشارة لإمكانية حدوث علو للهمم (وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا)، وأمل في استيقاظ الضمير الذي يحمل مقومات ارتقاء القطاعين العام والخاص بمنطق حضاري جديد.

فبالرغم من انقشاع هويّة “الكومة”، استمرت النزعة المادية في السيطرة على البطل، بحيث لم يفكر إلا في ارتباط مد اليد بالعوز والحاجة للمال. أخرج بعض النقود، ووضعها في اليد الممدودة في العراء، ولكنّها لم تقبض عليها، فسقطت على الأرض. لم يستوعب في حينه أنها كانت تحتاج للعطف والعناية قبل فوات الأوان، وأن ينظر لوجهها قبل يدها (النص: التقط النقود، وحطّها مرّة أخرى في يدها، ونبّهها بالمناداة، ولكنّها ظلّت صامتة، ولم تقبض النقود. لمسَ كفّها وحرّكها بلطف لعلّها كانت غافية وهي جالسة. ولكنّ برودة مريعة سرتْ من يدها إلى أصابعه. وأشاعت في جسده قشعريرة وتوجّساً. وقبل أن يُتاح له القليل من التفكير، مال جسم المرأة بأكمله مع تلك الحركة الخفيفة، لتسقط على الأرض جثّة هامدة). ماتت العجوز، وبرز مجددا في الضمائر أن الموت هو صاحب الفضل الأول والأكبر على الحياة وليس العكس.

لقد أبرز القاسمي انطلاقا من واقعنا وتراثنا مفهوم الموت وتطوره سواء تعلق الأمر بالإنسان أو الأشياء أو المنظمات، مستحضرا تفاعل مقوماتنا الوجودية مع التطورات الكونية بدقة علمية بعيدة عن أي تأثر إيديولوجي.

إن الجو الرصاصي البارد الذي حول كل شيء في الحديقة العمومية إلى جمود، وأشجارها تعيش كذلك فصل خريف، شكل صورة قاتمة جسد عبث الزمان بطبيعتها الزاهية الساحرة. لقد اقتحم الموت كل شيء بها جراء شدة الإهمال الذي يحول الكفاءات إلى مجرد أشباح مخنوقة. لغة المكان، الذي تكومت فيه العجوز (الزمان) بحلتها البالية الداكنة، شاع فيه الغموض والتيه والعشوائية واختلاط الأمور إلى درجة أصبح صدى صيحات معاناة الرعايا لا تنفذ إلى ضمير المسؤولين. إن حدة القشعريرة والتوجس اللذان أصابا جسم البطل هو بمثابة نداء بعد فوات الأوان للتلاحم الحميمي ودعوة لنفاذ معاناة الآخر إلى القلوب، وتقوية التواصل بين الإنسان وأخيه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • الحسين بوخرطة كاتب سياسي، ناقد أدبي، مغربي.

المقالة الثاني:    بقلم /البشير النظيفي*

  عندما أقف مشدوها أمام الأعمال الفكرية ، واللغوية ، والنقدية ، والإبداعية التي أغنى بها الدكتور علي القاسمي المكتبة العربية ..إضافة إلى ترجماته الفنية ، التي شهد له بالجودة فيها بعض فطاحل المترجمين العرب من المشرق والمغرب ..فإني لا أرى مناصا من الإشادة بعبقرية صاحبها باعتباره ” جزءا حياً نابضا ” في تاريخنا الفكري والإبداعي المعاصر .

  لذا فإن البحث الذي ضمه كتابه ” مفاهيم العقل العربي “عن الموت ، يُعدُّ بحثا قيما استطاع أن يبرز من خلاله مفهوم الموت ، انطلاقا من تراثنا ومقومات وجودنا، بدقة علمية بعيدة عن أي تأثر بأحكام سابقة ،استشراقية كانت أو إ يد يولوجية …

  ومما جعل البحث يستكمل جدته وقيمته، تمثُّل الدكتور القاسمي للتراث العربي الإسلامي، ودراساته اللغوية الوثيقة الاتصال بأصول اللغة العربية، وكذلك اطلاعه الواسع على البحوث اللغوية الحد يثة .

  كل ذلك وغيره د فعه إلى أن يفرد معجما قيما في بابه اختار له اسم ” معجم الاستشهادات الموسع ” الذي يقول عنه ، إنه “..ليس معجما لغويا ، فمداخله ليست ألفاظ اللغة عامة ، وإنما تمثل موضوعات معينة محدودة لاتتجاوز 1500 موضوع ” ص 13 . ثم بعد ذلك يوضح العلاقة المتواجدة بين موضوعات المعجم فيقول : ” والعلاقات بين الموضوعات إما علاقة لسانية كالترادف والتضاد وغيرهما ، مثلا تحت موضوع [ الموت ] نجد الإحالة أنظر كذلك : الأجل ، الردى ، المنون ، المنية ، الهلا ك ..الخ. ص 15 .

  إن العبارات السابقة ـ في نظري ـ لتدل دلالة واضحة ، على الوضوح والفهم اللذان تتسم بهما مؤلفات  الدكتور علي القاسمي الفكرية ، واللغوية ، والنقدية التي منها كتاب ” من روائع الأ دب المغربي ..قراءات” الذي يحوي مقالة نقدية تحمل عنوان (مفهوم الموت في الثقافة العربية ..ورواية ” وعاد الزوق إلى النبع) للأ ستاذ عبد الكريم غلاب ..ولعل المتابع لأعماله النقدية يلاحظ أن الأستاذ القاسمي يبدي فيها نظرات نقدية هادئة ، لاتضر أصحابها ، ولاتدمي عيونهم ..فهي رقيقة ناعمة ، وود يعة في  تناولها لمو ضوعا ت إبد اعا تهم ..

  تلك كانت كلمة تمهيدية مختزلة عن علاقة المفكر واللغوي المبدع بالروح التي تغادر الجسد كتيمة آثر الدكتور القاسمي أن تحتويها هذه المجموعة ، قصد الحفاظ على وحدتها الموضوعة ، الشيء الذي يؤهلني إلى القول : بأ ن إحساسه بالموت ، وتصوره لأوضاعه وحالاته ..ينطلق من ظروفه ، ودوافعه الخاصة ، لا من أفكار الآخرين عنه ..

   ف”أوان الرحيل ” هذه الجملة التي تطفح بالهزيمة ، والعجز ، والخضوع أمام ذلك المجهول المنتظر الذي تنقضي أمامه أحلامنا ، ويدل قدومه إلينا ، على انتهاء مرحلة الدار الأولى ، وبداية الأخرى ..سبق وأن صدرت طبعتها الأولى عن دار ” ميريت ” بالقاهرة سنة 2007 فيما يقارب تسعة وعشرين وما ئة [129 ] صفحة من الحجم الصغير كانت تضم أربعة عشر قصة ، إضافة إلى ما جاء في صدرها وعجزها ..وعبر هذا المنحى تجدر الإشارة ، إلى أن هيكل المجموعة البنائي الحالي ارتأى المبدع تضمينه نصين قصصيين نشرهما بمجموعته الأولى ، الحاملة لعنوان ” رسالة إلى حبيبتي ” الصادرة سنة 2003  بمقدمة للأستاذ عبد الكريم غلاب .

وعن أسباب ذلك كانت إجابته حول التركيز على تيمة معينة كـ [ الطفولة ـ الحب ـ الحزن ـ الموت ..الخ] في لقاء أجراه معه الناقد الأخ ابراهيم أولحيان قائلا : ” لم أشتغل على هذه الموضوعات وفق تخطيط مسبق ، فقد ذكرت لك أنني لست كاتبا محترفا ، وإنما أكتب في أوقات الفراغ ، وأثناء استراحتي ،عند ما أحس بالحاجة إلى الكتابة وأن لدي ما أقول . ولكن تجمَّع عندي عدد من القصص القصيرة حوالي خمسين قصة ، قبل أن أقرر نشرها في كتاب ، وعند ما قدمتها إلى الحاج القادري صاحب دار الثقافة للنشر والتوزيع في الدار البيضاء ، اقترح علي أن أقسمها إلى مجموعات قصصية صغيرة ، لكي يسهل تسويقها وبيعها ، لأن قدرة القارئ العربي الشرائية محدودة ، فهو لايشتري الكتاب إذ ا تجاوز ثمنه عشرين درهما [ حوالي دولارين ] . وعند ما واجهتني مشكلة تقسيم هذه القصص القصيرة رأيت أن اصنفها طبقا للموضوعة [ التيمة ] التي تتناولها القصة . نُشرت بعض المجموعات في الدار البيضاء ، وبعضها الآخر في القاهرة ، وكانت موضوعات المجموعات القصصية على الشكل التالي [ 1] ” رسالة إلى حبيبتي ” تتناول موضوعة الطفولة [ 2] ” صمت البحر” تتناول موضوعات الحب [ 3] ” دوائر الأحزان ” موضوعة الحزن [ 4] أوان الرحيل ” موضوعة الاحتضار والموت [5] ” حياة سابقة ” موضوعة علم النفس الموازي ، أما مجموعتي القصصية السادسة ، فمعظم قصصها تدور حول الوطن الجريح ” ا نتهى [مجلة ” عمان ” ع 158 ص 30 ـ 31 ] .

   والقصتان اللتان أعيد نشرهما في أوان الحيل ، هما :

 1 ـ ” أصا بع جدي ” التي أخذت عنوانا آخر في المجموعة هو: ” ليلة وفاة جدي ”

 2 ـ ” البندقية ” التي أصبحت تحمل عنوان ” الوصية ”

  والمتأمل لمضمون النصيْن المضافيْن إلى جانب إخوان لهما في المجموعة ، يلاحظ أن هد فهما يتمثل في نسج خيوط تيمتهما بمجموعة ” أوان الرحيل ” ، الذي يقودنا أسلوبها الفني بتلويناته الإبداعية ، إلى معادلة تكاد تكون سليمة بين الموضوعة ومعناها ، ليصل بنا إلى ما يريد ـ والله أعلم ـ المبدع بثه من أفكار تكون زادا لنا في المعرفة والشعور بما لنا وما علينا ..وإذا كان ما ظننته سليما ، فخطاب المجموعة القصصية يحذرنا قائلا : ” لملموا أنفسكم وخذوا العدة لغدكم ” ..خاصة وأن تقنية قصص المجموعة في معالجتها لفكرة تطغى بأشكال مختلفة على مخيلة ، تقوى تارة ، وتضعف أخرى ، لعجزها عن الإجابة  ” على أدق أسئلة الوجود وأحرجها ” وأعني بذلك الموت طبعا ، الذي حاول ” خيتو مادو ” الشاعر الياباني أن يتمرد عليه ، لأنه ” يفترس المخلوقات دونما اعتبار لتكوينها الرائع ، أو شبابها المفتون ”

  عنصر الخيال في القصة : وبما أننا نعلم ، أن الخيال عنصر هام في العمل الإ بداعي ، يستطيع المبدع من خلاله ، أن يكسب لعمله قيمة فنية ، يبهر القارئ بسحره ، ويمتعه بجماله ..كما يجعله قادرا على أن يوحي إليه بآ رائه وأفكاره المخلفة والمتباينة ضمنه ..يقول مثلا في وصف حالة الحديقة صباح ذاك اليوم الأول ، ما يلي : ” كانت العتمة تلف أشجار الحديقة العامة ونباتاتها ، فتخيل إليه كأشباح سود طويلة وقصيرة ذوات أذرع متعددة متحركة ، مثل أخطبوط هائل داكن ” ص 37 .

   إذا ، كل شيء في الحديقة يعاني من برودة الجو الغائم ، الذي سبق وأن سقط برذاذه من قبل على ” الكومة ” . فهذا الجو الرصاصي البارد الذي حول كل شيء في الحديقة إلى جمود ..يشير أيضا إلى أن أشجارها تعيش ـ كذلك ـ فصل خريف ، بعد ما عبث الزمان بطبيعتها الزاهية الساحرة ..ولكون اللغة طيعة بين أصابع هذا اللغوي الذي تعددت مشاربه المعرفية ..باعتبارها وعاء يتلبس معان وأ فكارا ، تساهم في تعميق رؤية المكان الذي قدم معالمه في بناء شعري ساحر تدل جمله على قفره وفقره ، بعد ما اقتحم الموت كل شيء في الحديقة فتركها ” كأ شباح سود طويلة وقصيرة ، ذوات أذرع متعددة متحركة مثل أخطبوط هائل داكن . وكانت أمطار الليلة الماضية على الأرض قد تجمدت ، هنا وهناك ، صقيعا يتكسر تحت وقع قدميه “.

   ولعل تشبيه الدكتور علي القاسمي أعواد الأشجار بالأ شباح ، قد يقرر ـ في نظري ـ دلالة خارجية تتمثل في القمع أو الإهمال الذي يجعل من بعض الناس أشباحا ، يبزغ الموت من ملامحهم . والعجوز كقيمة وصفية ذات حضور زمني دال على الماضي القديم ، فإن لفظتها أيضا تلقي بصفة الحياة على الشيء الجامد ، الذي هو ” الكومة ” ، وبذلك فهي حاضرة ” وبمقدار حضورها الحي ، بمقدار ما توحي بالقدم والفناء .

   كما أن وجه الشبه القائم بين الصفات التعبيرية للأ شجار التي فقدت أوراقها ، والعجوز هو الموت ..وباستبعاد الحياة في علاقتهما يحل الموت ..هذا الموت الذي قال فيه المتنبي :

            وما الموت إلا سارق دق جسمه    …        يصول بلا كف ، ويسعى بلا نعل 

  والدكتور علي القاسمي يفزع إلى الخيال في قصته هذه ، ليوسع به تجربته ، ويجملها ..ونلاحظ ذلك لديه عند ما يحل [ بضم أوله وكسر ثانيه ] الإنسان في الأشياء حتى تكاد الحدود تنطمس بينه وبينها ..ولعل هذا ما عناه الشاعر تميم بن مقبل ، عند ما قال :

      ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر   …      تنبو الحوادث عنه وهو ملموم

  فالتحسر الواضح في البيت ، يسعى الشاعر من خلاله إلى مقاومة الزمن ..إذ أن رغبته في التحول إلى حجر ملتم على بعضه ـ شبيه بالكومة ـ تحد منه للزمن ، وجعله غير قادر على اختراقه ..وبذلك تنبو حوادثه إذا ما أصابته ..

  فالمكان إذا ، الذي تكومت فيه المرأة الهرمة [ الزمان ] على نفسها ، متلفعة بأسمالها البالية ، الداكنة ..جعل رؤ يتها تتعذر على هذا الساري في الغلس ، وهو يسرع في جريه ، نتيجة اتساع المكان ورحابته ، وفعله هذا إن دل على شئ ، فإنما على تعلقه بالحياة ، التي يرغب أن تسري في عروقه ، انطلاقا من كون المكان ، لايعدو أن يكون في نظره ـ والله أعلم ـ جسرا يمر عبره إلى آخر مغلق [ المعمل ] لتأدية مهامه الوظيفية ..

   فسرعته وارتباطه بوقت عمله ، لم يسعفاه على التحديق ، والتأمل في الكومة ، خاصة في اليوم التاني من عمله الرياضي ، عند ما لمح حركة ندت عن الكومة ، ولاختلاط الأمر عليه اعتبرها ” صادرة من واحد من الكلاب ، أو القطط السائبة ، التي تتخذ من الحديقة ملجأ ..” على حد قوله في ص 38 .

  وبما أن الغيوم التي أرخت سدولها على فضاء الحديقة قد يكون لها دور في عدم الاهتمام بالكومة ، ولا بإصاخة السمع لرنينها الواهن أمام صوت الموت الذي يدعوها إليه ، بعد ما حرمها المجتمع من العيش في حياة عادلة كريمة ، شأن شبيهة لها تمكنت من أن يصيخ الساهرون على مسؤولية رعاياهم السمع لندائها ، والحدث ورد في سيرة الفاروق عمر بن الخطاب ، مفاده أنه كان ” يتعهد عجوزا كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل ، فيسقي لها ، ويقوم بأمرها ، فكان إذا جاء وجد غيره قد سبقه إليها ، فقام بما تحتاج إليه ، فرصده فإذا بأبي بكر الصد يق الذي يأتيها ، وهو يومئذ خليفة ..” والحدث ـ في نظري ـ لا يحتاج إلى تعليق .

   وبعد هذا الإستطراد أعود إلى الحركة التي بدت منها وهي تحتضر، فأقول: بأنها إن دلت على شيء ، فإنما على أنها كانت تحاول النهوض إلى سماء المحبة ..لكن حدَّ من قوتها الوهن ، فارتخت عجزا ، ثم تكومت على نفسها .

  وهي في حركة احتضارها تلك أيضا ، تترجم ، وتردد بشجاعة وصمت : هلموا وانتبهوا ” سأموت بعد لحظات ” ..إنه الموت ، القوة الجبارة التي لن تستطيع أية قوة أخرى الوقوف أمامها ..فبصولتها ـ كما قال المتنبي ـ تنفذ ما اعتزمت عليه ، وبأساليب مختلفة ..ألم يقل الشاعر : “..تعددت الأسباب والموت واحد؟” .

   فالكومة إذا ، بلُغتها الصامتة أفصحت ببيان نافذ ، وتعبير عميق عن حالتها المزرية ، المتمثلة في غربتها ، ووحدتها ، وتهميشها ..هكذا بقيت الجثة على وضعها ذاك ، إلى أن لمست يد البطل كفها لتوقظها بلطف ، لكن ” برودة مريعة سرت من يدها إلى أصابعه ، وأشاعت في جسده قشعريرة وتوجسا ” ص 38 . فهذا التلاحم الحميمي النافذ إلى جسد البطل من برودة جسدها .. أراه أكثر نفاذا إلى القلوب ، وإثارة للشفقة والرحمة فيها ..إضافة إلى تجسيده للوحدة بين الجسدين ـ بعد فوات الأوان طبعا ـ التي تثبت عدم الانفصال بين الإنسان وأخيه.

   وإذا كانت يد العجوز الممدودة تدل على فقرها وبؤسها ، وحاجتها للإعانة ممن تطلب نوالهم ..لد فع بعض الجوع ، والمرض اللذان تعاني منهما في صمت ، دون أن تشكو لأحد همها ، بعد أن سمحت لنفسها بالنوح والأنين .. فهذه الصورة التي خاطبت بها اليد ـ ساخرة ـ نوال المارين بها ، دفعني إلى القول : بأنها أكثر أصالة وجمالا من أي تأويل آخر .

   أما سقوط الجثة ، وحلولها بالأرض ـ بعد ما تكون الصحف قد جفت ، والأقلام قد رفعت ـ فيعكس ـ في نظري ـ إلى جانب الإغتراب ـ توحدها بالأم وعودتها إلى الأصل ..وهو ما عناه أبوالعلاء في بيته المشهور :

              خفف الوطء ما أظن أديم الأ   …          رض إلامن هذه الأجساد 

   فاليد التي د لتنا على هلاك الجثة ، تذكِّر بموت نبينا سليمان عليه السلام ، والتي أوردها الله سبحانه وتعالى في قوله : ( فلما قضينا عليه الموت ما د لهم على موته إلا دابة تأكل منساته ، فلما خرَّ تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ) سورة سبأ  آية 14 .

   والمنساة كما قيل :هي العصا بلغة الحبشة ، التي أكلتها الأرضة ، وليحددوا الفترة الزمنية التي قبضت فيها روح سيدنا سليمان ، لجأوا إلى ” وضع الأرضة على العصا ، وبعد ما أكلت منها يوما وليلة ، حسبوا على ذلك النحو ، فوجدوه قد مات منذ سنة ، وكانوا يعملون بين يديه ، وينظرون إليه ، ويحسون أنه حي ، ولا ينكرون احتباسه على الخروج إلى الناس لطول صلاته قبل ذلك ” .

   فالمبدع من خلال قصته تلك ، يتحدث معنا ـ لا إلينا ـ كي نحس ونشعر معه نفس شعور انفرادية الإنسان ووحدته ، وانعزاله ..رغم انشغاله بمهام الحياة ..

   كما أن الصورة الفنية التي وضعنا هذا المبدع الساحر بلغته الرومانسية المنسابة ، وتشبيهاته البديعية الخلابة أمامها ، لتطفح بالإنسانية التي تثير العطف على كل مشرد ، قصم الإهمال ظهره …

   وانطلاقا مما سبق يحلو لي القول ، بأن الإحالات التي أتيت على بعضها ، قد تكمن في نسيج السرد القصصي للدكتور علي القاسمي ، نظرا لثقافته الواسعة ، التي تبرزها بشكل جلي مؤلفاته : الفكرية ، واللغوية ، والنقدية …الخ 

  وما توخيته في قراءتي المتواضعة هذه ، ليس تحليل القصة ،أونقدها ..بل القيام برحلة عبر بعض أفكار هذا العمل الإبداعي ، الغنية زواياه بخبا ياها .     

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • البشير النظيفي ، باحث صوفي مغربي.

المقالة الثالثة:بقلم عبد السميع بنصابر*

     تقديم:

    عندما تجالس مبدعا ما، فإنك لا بد أن تتلمس هوسه بالمجال الذي يبدع فيه. تستشف هذا من خلال حديثه أو حركاته.. وربما بِصمته أحيانا، أليس للصمت بلاغة أيضا؟! فالفنان التشكيلي قد لا يكبح جماح ذائقته عندما يصرح بها مبديا رأيه في لون هذا الشيء أو ذاك، والملحن يزن الأنغام بأذنه وينوه بجمال مقطع ويشير إلى نشاز آخر إن وجد، والقاص تحكي له القصة أو النكتة، وقبل أن تستجلي أثرها على ملامحه، فقد يفاجئك بتصويب أسلوبي منه، بل قد يدفع به الهوس الحكائي الذي يعشش داخله، إلى اقتراح تغييرات في أحداث حكايتك.. لأنه يرى في القصة قبل كل شيء هدفا أسمى هو الإمتاع…

    ولكن، كيف إن كان جليسك متعدد المواهب والتخصصات؟ وأي لذة ستعادل لذة محادثته ومجالسته؟

    عندما اطلعت على بعض مؤلفات الكاتب العراقي الدكتور علي القاسمي القصصية، أعجبت بها غاية الإعجاب، وذهلت بطرائقه في السرد الذي يحمل في سيله مضامين ومعان عميقة، محتفيا في ذلك بلغة أنيقة جذابة وسلسة. بذلك صرت أترصد أعماله في المكتبات، فإذا بي أجدني أمام قامة أدبية رفيعة تتسم بموسوعية الاطلاع وغزارة العطاء في الآن ذاته، فالاسم الذي كلل المجاميع القصصية، كلل أيضا روايات ودراسات في اللسانيات والتاريخ والترجمة… آنذاك وقفت على الأركان المتينة التي تقوم عليها أعمال الدكتور علي القاسمي القصصية، من لغة ومعارف ورموز ثقافية واجتماعية وحضارية، استوت وتقوت بكثرة أسفاره وتنقلاته أيضا.

    في الورقة التالية نحاول رصد رمزية الواقع في قصص الدكتور علي القاسمي من خلال قصته الموسومة ب” الكومة” ضمن أضمومته القصصية ” أوان الرحيل” الصادرة في طبعة ثانية ضمن منشورات دار الثقافة – 2010. (الطبعة الأولى: دار ميريت، القاهرة، 2007)

    البعد السير- ذاتي في قصص علي القاسمي:

    لا أذكر كيف تشعب بنا الحديث ذات يوم، حتى أخذ الدكتور علي القاسمي يحكي لي عن قصة فريدة حدثت له بمنزل الأديبة والفنانة التشكيلية زهرة زيراوي… وعندما أنهى الحكي بابتسامته الصافية، رأيته يسارع إلى سحب قلمه وتدوين شيء ما على ورقة ثم يعيدها إلى جيب قميصه بملامح سرور، توحي لك أن الرجل قبض على جوهرة نادرة كادت أن تضيع. ولأنه قرأ – بسهولة- علامات الدهشة على وجهي فقد بادر إلى شرح ذلك قائلا:

    – أحيانا تفر مثل هذه الأحداث من ذاكرتي.. وأنسى الكتابة عنها!

    وعجبت لهذا الالتزام الذي يتحلى به القاص علي القاسمي في حياته كما في نصوصه. ونحن نصافح أعماله فإننا نستشف هذه الخاصية من خلال مؤشرات عديدة، بين نصوص تفصح عن نفسها كقصص سيرية(1)، من نفس المجموعة مثلا: [ الحمامة- الساعة- الظمأ- القارب…] وقصص أخرى تحتاج أكثر للتدليل عليها كالمكان والدقة في تحديده (العقاب-المجابهة…(2))، أو إحالته أحيانا إلى عناوين بعض أعماله: (رسالة إلى حبيبتي(3)) في قصة الآنسة راجية(4)، وهناك أيضا معالم أخرى محيلة إلى السمة السير- ذاتية في قصص علي القاسمي، قد تكون ذات طابع سوسيو- ثقافي (قصة: لقد سقاني القهوة (5))، أو فكري ( الغزالة(6))… 

    دلالة الواقع وعمق الترميز في قصة الكومة:

    تبدأ الواقعية في قصة الكومة من خلال الوصف الدقيق الذي خص به الكاتب فضاءات القصة:

   1- الفضاء الزمني: [ العتمة- في فجر اليوم الثاني- قبل السابعة صباحا… ]

   2- الفضاء المكاني: [ كانت العتمة تلف أشجار الحديقة…- سياج الحديقة العامة- على جانب الممر-…]

      بعد الوصف الواقعي والدقيق للفضاء الزمكاني، يأتي وصف شخصيات القصة، ونرصد ذلك من خلال جانبين أساسيين:

   1- الجانب العرَضي/الخارجي: [ القلنسوة التي يعتمرها- عجوز متلفعة بعباءة سوداء- تحيلها (شفتيه) حمراء قانية كعرف الديك]

   3- الجانب السيكولوجي/الداخلي: [ حسبها مجرد كومة- اكتفى بافتراض أن…- أشاعت في جسده توجسا]

   2- الجانب الحركي: [ أنفاسه اللاهثة المتلاحقة- اصطكاك أسنانه- ارتجاف أوصاله- يجري مسرعا مكدودا- انطلق …  يمارس رياضة العدو- لمح – اقترب- ندت منها حركة مريبة- يركض مقتربا- توقف عن الجري- يعود القهقرى- يحدق فيها- دس يده في جيبه- أخرج بعض النقود- وضعها في اليد الممدودة- التقط النقود- حطها مرة أخرى- نبهها- لمس كفها- حركها- مال جسم المرأة- تسقط على الأرض جثة هامدة]

    بفحصنا للمؤشرات التي ذكرناها فإننا نسجل ملاحظات هامة:

    1 – الطابع الدرامي للفضائين الزماني: ( الظلام الذي يحجب الرؤية الصحيحة للأشياء)، والفضاء المكاني أيضا (  العتمة تلف أشجار الحديقة العامة ونباتاتها، فتخيل إليه كأشباح سود.. ذوات أذرع متعددة.. مثل أخطبوط هائل¬> الارتعاب وقلة الأمن النفسي أو انعدامه أحيانا- سياج الحديقة¬> إحالة على السجن بأنواعه والحواجز التي تطوق الأشجار/الطبيعة/ الإنسان/ الحرية…  )

    2 –  غلبة ألفاظ وعبارات معجم الجانب الحركي في الشخصيات (البطل تحديدا) على ألفاظ معجم الجانبين الآخرين ونقصد هنا الجانب السيكولوجي تحديدا باعتبار التقابل العلمي والفلسفي للمفهومين : السلوكات أو ردود الأفعال / الوعي واللاشعور (علم النفس).

    انطلاقا من ملاحظتنا الأخيرة، سنكون قد اقتربنا من امتلاك مفاتيح قصة الكومة، من خلال وضع اليد على أبعاد ودلالات الحدث أو الأحداث الواردة فالقصة، والتي تحكي عن شخص اعتاد أن يقوم قبل كل فجر بممارسة رياضة العدو في الحديقة العامة المجاورة لمنزله، فإذا بكومة قاتمة تلوح له على جانب الممر. ونظرا لقلة الوقت وتراكم المشاغل فقد كان البطل يكفتي بافتراض ماهيتها، تارة (كومة أحجار جلبت لترميم سياج الحديقة العامة أو ركام أغصان تجمع من جراء تشذيب الأشجار) وتارة يحسبها (عندما… ندت منها حركة مريبة) كلبا أو قطا سائبا اتخذ من الحديقة ملجأ. ولكنه عندما أبصر (في اليوم الثالث) يدا ممدودة من الكومة، (توقف عن الجري ليعود القهقرى إليها ويحدق فيها)، فيكتشف أخيرا أن الكومة ما هي إلا عجوز تلفعت بعباءة سوداء، وحينما دس في يدها الباردة بعض القطع النقدية؛ ظلت – هي – صامتة جامدة الحركة، ثم ما لبثت – بحركة طفيفة – أن.. سقطت على الأرض جثة هامدة.

    وفيما يلي، يمكن أن نعطي لبعض الرموز دلالتها:

    1- البطل: الإنسان في زمننا الحاضر وفي كل مكان، لأن قصص علي القاسمي تتناول الظاهر غالبا بشكل إنساني كوني، لا تضيقه أية حدود جغرافية أو ثقافية.

     2– الحركة / رياضة العدو: غالبا ما يعمد ممارس هذه الرياضة إلى الركض في اتجاه دائري، ومن هنا نستخلص أن الأمر يتعلق بدورة الحياة، التي تبتلع الإنسان، دون أن يجد (متسعا من الوقت) لـ ( يدقق النظر أو يطيل التأمل)، ولأنه يجد نفسه تحت ضغط عدة مشاغل شخصية ( تناول طعام الفطور- التوجه إلى مقر العمل) ولأنه أيضا مطارد بهاجس الوقت (  قبل السابعة صباحا)، و هذا ما يجعلنا نفسر قلة ألفاظ المعجم النفسي/الداخلي، فلا تظهر سوى في عبارات التردد والافتراض [ حسبها مجرد كومة- اكتفى بافتراض أن.. ] وأحيانا تعلن عن حالة الارتباك وعدم الاستقرار [ أشاعت في جسده توجسا].

    3- الكومة/العجوز: تختفي وراء ( عباءة السواد) مشاعر وأحاسيس لا نراها بوضوح، وسط عتمة الواقع وكثرة انشغالاتنا، لذلك فإننا لا نسعى إلى تفسير المظاهر وفق منظور إنساني، بل نكتفي بالافتراض [ كومة أحجار- ركام أغصان]، وأحيانا نفسرها بشكل نمطي قاس وفج، فنقول إن الحركة [صادرة من واحد من الكلاب أو القطط السائبة التي تتخذ من الحديقة ملجأ ]. وهكذا فيمكن أن نعطي للكومة دلالة ( الآخر)، الذي تنظر إليه الأنا بنظرة أنطولوجية سارترية صرفة، مفادها تشييء ذوات الآخرين ، ويمكن أن تكون أيضا ديكارتية، حيث إن الأنا/الذات لا تعترف سوى بوجود نفسها، لأنها حققته بواسطة الشك [ حَسِبَها…- بافتراض أن… ] و التفكير ¬> “أنا أفكر، إذن أنا موجود“، ومن تم لا يمكنها أن تؤكد وجود الآخر، لأن الوجود يتحدد بعملية فردية وذاتية هي التفكير.

     4- البرودة/ الموت: ويشار إلى أن تيمة الموت/الفناء/ الرحيل… هي القاسم المشترك بين قصص المجموعة التي أخذت منها قصة “الكومة” [ موت الإنسان / موت المشاعر / موت الطبيعة / موت الحضارة.. ]، وفي هذه القصة، نرصد برودة الأحاسيس وموتها من خلال توالي كلمة [لا يهم]، فالذات – كما أسلفنا- لا تعترف سوى بنفسها، ولا يهمها ما يحيط بها، فالكل منغمس في عالمه في صمت وجفاف، لتموت الأفعال الإنسانية مثل (التوقفالتأملالتحديق…)

     خاتمه:

     كثيرة هي القصص التي تتكئ على الواقع إما في طرائق سردها أو في مضامينها، لتبث رسائلها الإنسانية إلى القارئ، لكننا قلما نجد  نصوصا برع أصحابها في ملاءمة الشكل للمضمون، وموازاة الأسلوب للفكرة، وهنا نقرأ نصا قصصيا التزم صاحبه – بشكل ينم عن تمرس وحرفية عاليين – برسم لوحة قصصية  واقعية، بريشة اللغة المعبرة والجذابة، دون غبش أو نشاز في الألوان السردية التي استعملها. فقد سعى القاص الدكتور علي القاسمي إلى تبيان جفاف المشاعر الإنسانية، من خلال أسلوب لم تطغ عليه اللغة الشعرية الحالمة، بل كانت مقتضبة وسلسة وموحية.. وصادمة في الأخير. وقصة “الكومة”، تستحق أكثر من (وقفة، وتأمل) أيضا لأن “كومة” علي القاسمي  تخفي أيضا مشاعر إنسانية لا حدود لها، والقارئ طبعا هو البطل، وما عليه إلا الاقتراب منها وتحسس ما تحمله من رسائل عميقة، بتنا لا نحفل بها في عصر السرعة والدوران الذي لا ننتهي منه حتى (نسقط) في يوم من الأيام (جثة هامدة).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* عبد السميع بنصابر، قاص روائي ناقد مغربي

    * هوامش:

     1- إدريس الكريوي. جماليات القصة القصيرة- دار الثقافة- الدار البيضاء- الطبعة الأولى – 2010

     2- علي القاسمي.حياة سابقة- دار الثقافة- الدار البيضاء- الطبعة الأولى

     3- المرجع السابق

      4-المرجع السابق

      5-المرجع السابق

شاهد أيضاً

د.هاشم صالح*/لماذا انتصر محمد أركون؟

كنت قد شرحت أكثر من مرة سبب تفوق أركون على جميع المثقفين العرب الذين تصدوا ...