الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.فاطمه الحصي *عمامة الشيخ عبد المتعال الصعيدي

د.فاطمه الحصي *عمامة الشيخ عبد المتعال الصعيدي

عن سلسلة الفلسفه التي تصدرها الهيئه العامه للكتاب ؛ صدر حديثا كتاب العمامه المستنيره لأستاذ الفلسفة الإسلامية والفكر العربي الحديث بكلية الآداب جامعة طنطا ؛ د.أحمد سالم ؛ حول تجديد الفكر الديني عند الشيخ عبد المتعال الصعيدي .

 الكتاب الذي  يفتتحه الدكتور أحمد سالم  بمقدمه طويله  وكاشفه  و يتناول فيها  وبنظره شامله مؤسسة الأزهر العريقه ؛ويتتبع تحول هذه المؤسسه من الديني الى العلماني عابرا مراحل التقليد والحداثه ومراحل الجمود التي مرت عليها ثم مراحل التطوير من خلال 4فصول وخاتمه ؛ هو عمل نلمس فيه جهد يُثمن غاليا؛  والحق أن أول ما لفت انتباهي للكتاب هو فكرة التجديد لدى الشيخ عبد المتعال  الصعيدي  ؛اذ كيف يمكن لشيخ أزهري أصيل أن يقدم رؤيه حول تجديد الفكر الديني وهو ما قدمه وعُرف به الأستاذ الامام محمد عبده ؛والذي تعثر كثير من تلامذته في تبني أفكاره التنويريه الى أن تلاشت أو شٌوهت .والحق أن كثيرون يعرفون الأستاذ الإمام محمد عبده ولكن قله قليله من تعرف الشيخ الصعيدي .

في هذا الكتاب يقدم الكاتب قراءه علميه ومنهجيه رزينه وبلغه سلسه تكشف فكر الكاتب الذي يتميز بانه توافقي –في ظني-  ؛ فالكاتب يسعى في هذا الكتاب الى إقامة جسر ما بين الاسلام والعلمانيه أو سد للفجوه ما بين الديني والمدني من خلال عرض تجربة الصعيدي الذي يعده امتدادا لمدرسة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ؛وإن كنت شخصيا لا اعتبر ان كلا من الأفغاني ومحمد عبده يمثلان كتله صماء واحده فلقد تأثر الامام بالأفغاني ولكنه تحول عنه نتيجة اختلاف السبل التي يريد كلا منهما مسلكها في طريق التنوير .

يشير الكاتب بالبنان أيضا الى دور الأزهر التاريخي كأكبر جامعات في تاريخ الحضاره العربيه والاسلاميه ؛ودوره البارز متتبعا التطور التاريخي له من تعليم ديني خالص ثم مساهمته في خدمة علوم الدين والطقوس والشعائر .

و يؤصل الكتاب لبداية الصراع بين مؤسسة الأزهر وأساليبها التعليميه والتثقيفيه وبين السلطه الواعيه الباحثه عن جيل جديد ؛وبداية ازدواجية التعليم وانقسامه ما بين ديني ومدني؛ ومن المنصف القول بأن هذا التأصيل التاريخي  يُحسب للدكتور أحمد سالم  .

قضية التجديد التي جذبتني بحق للكتاب  اخذت الحيز الأكبر منه ؛فقد منح د.أحمد سالم التجديد عدة فصول متنقلا من المعنى ومعوقاته الى العطاله الصوفيه كما وصفها ومن ثم الفاعليه الاجتماعيه ثم الى التجديد في العلوم الاسلاميه من التاريخي الى العصري متناولا التجديد في كل من علم أصول التربيه وأصول الفقه ثم التجديد من الديني الى السياسي ؛وفي ختام الكتاب يجيب على سؤال مهم وهو هل ثمة كهنوت في الإسلام .

منذ بدأت في قراءة المقدمه وهى مقدمه باذخه وعميقه وتكشف بتجلي توجهات الكاتب ؛ الذي قام فيها بتوصيف الصراع الحالي بين الاسلاميين والعلمانيين بدقه متناهيه وتطور هذا الصراع التاريخي حتى تحول الى صراع ورغبه في إقصاء الآخر ؛ ويرسخ لأسس حالة الاستقطاب الحاده فيما بينهما والاتهامات المتبادله وتأثير ذلك على المجتمع .

لن أنكر  أنني  وقعت في حيره ؛فالمصطلحات بالكتاب لم يتم تعريفها حتى يمكننا التحدث بطلاقه حول مدلولات كل مصطلح  حتى يمكننا أن نتحدث بناءا على فهم مشترك ؛ ولهذا وجدتني أتساءل ما المقصود بالعلمانيين او الاسلاميين  هنا ؛والحق أنه قد استوقفني كثيرا اتهام الكاتب للنخبه بشئ من التعميم  بأنها تريد أن تتخلى عن موروثنا القديم ذلك الموروث الديني الذي يرونه سببا للجمود والتخلف –حسب تعبير المؤلف-  وهو ما دفعني مره أخرى للتساؤل حول أي نخبه يقصدها الكاتب !تلك النخبه  وذلك الخطاب العلماني الذي  اتهمه بالتعصب الذي لا يقل عن تعصب الاسلاميين ؛وهو تعميم ليس في محله في ظني  ؛على الرغم من اتفاقي معه في أن بعض النخبه العلمانيه تمتلك محدودية في العقل .

ويبالغ المؤلف في تعظيم دور هذه النخبه العلمانيه في اتهامها بأنها هى السبب الأول “وراء ظهور جيل لا منتم من الشباب يرفض الاعتراف بوجود الله كما يرفض تأثير الدين على حياة المجتمع ويسخر من أصحاب السلطه وأصحاب التوجهات الدينيه” ؛ وأقول أن الكاتب يبالغ في تحميله مسئولية كل هذا  للعلمانيين ؛فاذا كان ذلك صحيحا  ما السبب وراء كل هذا التراجع الفكري والثقافي  الذي تعاني منه الأوطان العربيه والاسلاميه؟ وهو ما يدفعني للدعوه  الى حوار مجتمعي وفلسفي حول أهمية حضور الدين بقوه في المجتمع ودوره الفاعل في حياة الأفراد ؟ الكاتب حريص على إقرار حقيقه من وجهة نظره وهى أهمية دور الدين في حياة الأفراد والمجتمع ؛هذا الدور من وجهة نظره يؤدي إلى إشباع الطاقه الروحيه للإنسان ويحسن من جودة الحياه وهنا أتساءل ألا تقوم مبادئ الأخلاق الانسانيه الكونيه على إشباع الطاقه الروحيه للإنسان دون اللجوء الى فزاعة الدين ؛ألا يمكننا ترك الايمان للقلوب وجعل علاقة الانسان بربه  لها خصوصيتها ويفصل فيها الله جل شأنه ؟!

و هذا لا ينفي أنني أتفق معه تماما في أن ضغط الخطاب العلماني (مع الأسف لم يذكر الكاتب نماذج لذلك الضغط)على التيار الاسلامي للسير في طريق الاصلاح خلق خطابا دينيا جديدا يتماس مع الواقع الاجتماعي الذي نعيش فيه قد ساعد على زيادة تعلق الاسلاميين اكثر بالخطاب الديني التقليدي ؛وهو أمر طبيعي وليس أمام العلمانيين سوى أن يمارسوا ذلك الضغط والا اتهمناهم بقلة الحيله وعدم الفاعليه ؛ أتفق أيضا مع الكاتب في أن الصراع الدائر فيما بين الخطاب العلماني والخطاب الاسلامي طغى على المشكلات الاجتماعيه الواقعيه التي يعانيها المجتمع العربي والمصري إلا أنني أرى أنه تعامل مع الخطاب العلماني بشئ من التعالي والتحقير .

يؤكد د.أحمد سالم على أن المحنه ليست في الدين الاسلامي ذاته لكنها في الفكر الديني الجامد الذي لا يرغب في تطوير نفسه من أجل مسايرة حركة الاجتماع ؛وهو ما يقودنا الى البحث في  آليات هذا التطوير ؛يؤكد الكاتب على فقه المصلحه الذي يعطي الأولويه للواقع ومصالح العباد على النص مسلطا الضوء على فكر الصعيدي التجديدي الذي يقدم قراءه معاصره للفكر الديني  على أن يراعي تطور المجتمع والزمن والبيئه التي نعيش بها ؛وهو أمر مهم للغايه لأنه يعبر عما تحتاجه بحق المجتمعات العربيه والاسلاميه الآن والتي يدور فيها صراع ما بين الاسلام والعلمانيه بشكل يتحطم فوقه صخور المستقبل والعقلانيه والتطور كما يذكر د.أحمد سالم الذي يرى  أن الصعيدي أراد إعادة الاعتبار للعلم والعقل معا ومن خلال فكر ديني جديد ومستنير  لسد الفجوه القائمه بين الاسلام والعلمانيه.

من اللافت-حسب الكاتب –  أن التجديد عند الشيخ الصعيدي شمل علم التفسير وعلم أصول الدين وعلم أصول الفقه وسعى للإعتماد على الاجتهاد الذي يؤثر في الحياه اليوميه للناس معتمدا  في ذلك على أن  أحكام الشرع الاسلامي هى أحكام كليه يمكن معها الاجتهاد ومن هنا كانت دعوة الصعيدي للاصلاح البناء الثقافي والديني معا ؛وهو بذلك يربط الدين بحركة المجتمع وعلاقة العقل بالنقل وعلاقة الانسان بالله في ضوء مراعاة تطور حركة الاجتماع وهو ما سعى اليه عدد ليس قليل من المفكرين في العالم العربي والاسلامي ؛ تلك المسأله التي شغلت كل باحث عن التغيير والتنميه والتطوير في المجتمعات العربيه والاسلاميه؛ وحسب الكاتب فإن الصعيدي حرص على ربط الدين بحركة الاجتماع ؛والروحي بالزمني ؛والنقل بالعقل وعلاقة الانسان بالله تحت رايه كبيره تحمل عنوان (الدين من أجل الحياه والدين من أجل النهضه والتقدم )و مراعاة تطور حركة الاجتماع وكيفية مسايرة الدين لمشكلات المجتمع ؛ هذا بالاضافه الى كونه يرى أن الدين ليس مجرد طقوس وشعائر فقط  ؛وهى مسائل تجعلنا ننظر اليه بعين الاحترام والتقدير ؛ وفي ظني أن فكر الشيخ الصعيدي على الرغم من كونه عبر عن ما لم يكن مسموحا به في زمنه ؛وعلى الرغم من وصف الكاتب لفكر الصعيدي  بأن ذو روح علمانيه  الا أن  الشيخ الصعيدي  لم يشر الى  الآليات العمليه التي تساعد في تنفيذ هذا الربط بين حركة المجتمع والدين اللهم الا بعض المقولات التي لا تثمن ولا تغني  ؛والدليل على ذلك أننا مازلنا ندور في هذه الدائره المغلقه حتى الآن ؛ وهو ما يجعلنا نتحسر على مجهودات الأولين الفكريه والتي قاموا بالدعوة اليها على مدار قرون ولم ينتج عنها أي تقدم مجتمعي .

وعلى الرغم من كون الشيخ عبد المتعال الصعيدي يرى أن الدين ليس مجرد طقوس وشعائر إلا أن التجديد لديه هو مجرد عبارات أدلي بها كمبرر للتاكيد على ماهو قائم في الدين من شعائر وطقوس وجل مافي الأمر أنه أعطى مبررات لها شكل إجتماعي بدلا من كونها مبررات دينيه فقط  لإثبات أنه يربط ما بين الدين والانسان والمجتمع مثل أن يقول أن الصلاه ليست من أجل الله ولكنها من اجل الانسان لأنها تجعل الانسان كذا وكذا ..

وهو حديث-  في ظني –إنشائي وعليه لم يستطع الشيخ الصعيدي تقديم آليات لتنفيذ وتطبيق ما دعا اليه من شعار جدير بالاحترام وهو ان الدين عليه أن يكون من أجل الحياه والتقدم.

الحق أن كتاب (العمامه المستنيره ) كتاب ممتع وثري جديره بالقراءه لما  يثيره من   عصف ذهني حول قضايا مهمه لازلنا عالقين بها على الرغم من مرور الأيام والسنين ؛ كما يطرح تساؤلات تعصف بالذهن لكنها جديره بالنقاش  .

  • كاتبه وأكاديميه متخصصه في العلوم الانسانيه

شاهد أيضاً

محمد شوقي الزين*/”الطبيعة تمقت الفراغ” (أرسطو).

تفتقر الجزائر إلى ثقافة الحوار والنقاش. قانون الصمت أو “أومارتا” (Omerta) هو الثقافة السائدة، ولم ...