الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.محمد شوقي الزين* الحد الفاصل ما بين السخريه والتهكم “رؤيه فلسفيه”

د.محمد شوقي الزين* الحد الفاصل ما بين السخريه والتهكم “رؤيه فلسفيه”

المزاح، التهكم، السخرية أو خدعة الأشباه والنظائرالمثير للاشمئزاز عندما نقرأ بعض المنشورات في الفضاء الأزرق هو الإسراف في السخرية والاستهزاء أو “الساركازم”، ولا يميّز أصحابها بين “التهكم” (ironie) الذي هو فن فلسفي قائم بذاته، و”السخرية” (sarcasme)، أو كما يُقال الساركازم هو “تخريب لفظي”، “همجية ناطقة بحروف من مخمل”. المشكلة أن “الساركازم” هو قاتل، إن لم يكن بالتصفية الجسدية، فبالتصفية الرمزية، بمجرَّد حمل حقد “مجاني” تجاه الغير.

في فيلم “الهولوكوست”، ثمة قصة شيخ يهودي من غيتو فارسوفيا إبان الاحتلال النازي لبولونيا، دخل عمارة تحوي جنوداً نازيين. عندما سأله أحد الضباط في البناية عن سبب ولوجه، ردَّ الشيخ بأنه يبحث عن عمل. سأله الضابط: “وأيُّ عمل؟” ردَّ الشيخ: “خباز”. سخر الجنود النازيون منه، واسترسل الضابط في الكلام مع الشيخ: “أدخل إلى هذه الغرفة، سيقدم لك الضابط السامي عملاً في إحدى المخابز”. بعدما دخل الشيخ في الغرفة، أطلق عليه الضابط السامي رصاصة في الرأس فانهار مضرجاً بالدماء، وقام الجنود بجر جثته ورميها في الشارع.

قد تحمل درجات الضحك على الالتباس، فلا نعرف في الضحك (إن لم نحسن الانتباه إلى اللطائف) ما ينتمي إلى المداعبة أو المزاح وما يشير إلى التهكم وما يسقط في السخرية اللاذعة (هي مسألة مهارة في عزل الأشباه والنظائر). يحيل الفعل الإغريقي “ساركاين” (sarkein) إلى فكرة الضحك بإظهار الأسنان الحادَّة، نوع من نهش لحم الغير، أنتروبوفاجيا (anthropophagie)، ويتقاطع في الاشتقاق مع “ساركوس” (sarkos) وهو “الجثة”، ومنه sarcophage وهو “التابوت”؛ وأصبح في المعنى المجازي ليدل على السخرية اللاذعة ذات مرارة شبيهة بالحمض (acide)، والحمض يذوّب المادَّة. الساركازم (السخرية، الاستهزاء) يذوّب الغير في القول الذاتي، يفنيه عن آخره. الساركازم وضاعة مجانية، يختلق الأحقاد دون أن يسوّغها، كمن يرميك بالحجر دون سبب.

الضحك عدوى تنتشر بين الضاحكين، يشرح الصدور، ويُلطف الأجواء؛ لكن الساركازم هو استثناء في قاعدة الضحك، لأن الساركازم هو الجانب المَرَضي (الباتولوجي) من الضحك، نهايته إعدام الغير، إن لم يكن جسدياً فرمزياً، لأن الساركازم “فاشية” ينتهي بالإجرام، أو هو إجرام لم تجتمع شروط تحقيقه؛ وهو “سادية” يتلذَّذ بالوضعية الحرجة التي يوجد عليها من يتلقى السخرية. الساركازم منزوع الاستشعار الإنساني (empathie, Einfühlung)، لأن من يأكل لحم شبيهه من البشر لا تنطلي عليه الإنسانية، فهو يحمل الازدراء بين جنبيه. فن التهكم غير متاح لمن يُسرف في السخرية، لأنه يشهد على خواء ما بداخله، يُعمِّره بإنقاص شيءٍ لدى الآخر، والطبيعة تمقت الفراغ كما يُقال. مع أن التهكم هو العكس: إنقاص شيء في الذات (“عدم المعرفة” عند سقراط لتبيان مزاعم الحذلقة أو التعالُم لدى المحاوَر) من أجل وضع الغير أمام حدوده.

التهكم مقاومة، أما السخرية فهي تعدٍّ؛ ولا يُحسن فن التهكم من لا يحسن استعمال الأساليب واللطائف. كلمات من قبيل “لامبا” (مصباح) ويُنعت به التنويري-العلماني، “قهوي” (أسمر) ويُنعتُ به مواطن الجزائر العميقة، “زواف” ويُنعتُ به مواطن منطقة القبائل، هي من بين تجليات الساركازم في مجتمع مريض بتيهه الوجودي، مجتمع يأكل لحم بعضه بعضاً في جهوية مقيتة (في الغالب نتيجة تلاعب دعائي من باب “فرّق تسُد”)، ويخطئ في المعارك التي يخوضها وهي ليست أيديولوجية بالمرَّة، بل إن سبب تعاسته ينبغي البحث عنها في سفاح المال والسياسة، في ما يعيشه عياناً، في شرطه المعيشي اليومي..

*مفكر جزائري

شاهد أيضاً

محمد شوقي الزين*/”الطبيعة تمقت الفراغ” (أرسطو).

تفتقر الجزائر إلى ثقافة الحوار والنقاش. قانون الصمت أو “أومارتا” (Omerta) هو الثقافة السائدة، ولم ...