الرئيسية / أخبار ثقافيه / أمانى الشرقاوى */خط الزمن في رواية “سواقى الوقت” لسلوى بكر

أمانى الشرقاوى */خط الزمن في رواية “سواقى الوقت” لسلوى بكر

(وهؤلاء من تيقنت من وجودوهم بداخلي حتي الآن). هكذا بدأت سلوى بكر نوفيلا دقيقة منضبطة كالساعة فى روايتها البديعة (سواقي الوقت )، والتى تقع في خمس وثمانين وصفحة، منقسمة الى خمس عشرة قسماً. قدمت الأديبة والروائية الكبيرة سلوى بكر نموذجأ للتحول المجتمعي المعاصر، ليصبح مجتمعا استهلاكيا من خلال التناحر والصراع الحاد داخل النفس البشرية، وعلاقاته الملتبسة والشائكة بمحيطه الخارجي، وقد ارتبط هذا بالخط الزمني للإنسان العادي في المجتمع المصري. كان حسن هو النموذج المثالي الذي وقع عليه الاختيار لكى نرى حركة الزمن الدائرية من خلاله، وقد تعرض حسن لصدمة بعد وفاة زوجته في منتصف العمر، وفقد الأمل بعدرحيلها في الحياة، فيضطر حسن أن يمضي كالقطارفي اتجاه واحد، اتجاه لا يحيد عنه مطلقا، ويخاف دائما من المجهول، ليس لديه أي باعث لأن تدب فيه الروح ثانية. يعمل حسن في مهنة تكاد أن تنقرض وتزول، ووهي مهنة إصلاح الساعات، وقد ورث هذه المهنة، والمحل الذى يرعاها من والده، وكان الوالد قد تعلمها على يد رجل أرماني، كان لدي أشقاء يلتقي بهم بين الحين والآخر، وقد برعت سلوى بكر في اختيار اسم الرواية ( سواقي الوقت )، السواقي ومفردها ساقية، والساقية تشبه ترس الساعة في حركتها الدائمة، والساقية تأتي بالماء من أسفل الى أعلى، أي أنها أحيانا تكون في القمة ومرات أخرى تصير الساقية في القاع ، كذلك حركة الزمان ما بين ارتفاع وانخفاض، فالعنوان ترجمة دقيقة لحركة الحياة. وهنا تبرز حرفية الكاتبة حيث أوردت الكثير من الجمل والعبارات والمفردات الموحية لمشاعر حسن المستعصية حيال الزمن، وفقده للأمل تماما: (لأعيد الروح الي الساعة واضبط زمنها المنفلت)، (إصلاح أزمنتها العاجزة السقيمة المتنافرة والمتعثرة بزمن واحد محتوم ). الخط الزمني لدى بطلنا عاجز وسقيم ومتنافر ومتعثر فى شكل واحد وحتمى. يشكو حسن من شريكين متداخلين ومتشابكين، داخله حسن الأول، ثم حسن الثاني، كما يأتى حسن الثالث، أما حسن الأول يبدو أنه شخص ملتزم ومحافظ جدا، ويخشى التحرر أو الخطأ الذي قد ينجم عنه الوقوع في أى مشاكل حتى لو كانت طفيفة، وكذلك يستريب من اللوم والتقريع من أخوته المحيطين به. حسن الثاني هو الشخص المتمرد الذى يريد أن يخرج من الإطار المسجون فيه حسن الأول. أما حسن الثالث يختلف عن الحسنين الأولين، فهو غير واضح بشكل كاف، تقول الكاتبة فى عبارة واضحة لا لبس فيها: (..على الرغم من ميله إلى الانحياز عادة تجاه حسن الأول، إلا أنه ظل من وجهة نظري، تكويناً غامضاً غير واضح المعالم بلا سمات يمكن الامساك بها… هلامي النزعة يشارك في المعارك وفقاً للغريزة الحيوانية الغامضة، أكثر من غموض الزمن وأوقاته). يتعرض هذا الحسن لحدث استثنائي عجيب يغيّر من الأحداث بطريقة ما، حيث يضطر لشراء ثلاث خراف من ثلاثة رجال من البدو، وهم يحتاجون إلى المال، وبعد شراء الخراف تعييه الحيلة في الخرفان، ومن ثم يضطر لذبح أحدهم، وبعد جهد جهيد، يشارك امرأة إعرابية أيضا تدعى (صهباء)، وتصفها الكاتبة بأوصاف واضحة: (عيناها واسعتان ملتمعتان كساعتين خرجتا لتوهما من المصنع) يحدث امتزاج بين حسن و”الغنّامة صهباء”، يلتقي بها سراً في الجزء الخلفي للمحل، والمعد كاستراحة مؤقته له ولضيوفه، إذا لم يعد إلي البيت خلال فترة الظهيرة، كسرت صهباء البدوية الحاجز النفسي العنيف بينه وبين العالم بأسره، وكأن هذا الفعل الانساني البسيط، فتح الطريق أمامه واستبدل رؤيته للحياة حيث أصبح ذا منظور مختلف تماما. هنا تصف سلوى عودة الحياة وبداية حركة الزمن، ( أخذت في تشغيل ساعة غامضة كانت قد توقفت عقاربها عن الحركة وصدأت منذ أن ماتت زوجتي وظننت بموتها كما تموت كل نساء العالم). تداعي الحدث الرئيسي المحرك للأحداث، تنجم عنه معارك ضارية بين حسن الثاني المتمرد على رتابة الحياة والمقلق دائما، فى مواجهة حسن الأول والثالث، وفي مقارنة ساخنة بين زوجته السيدة الجميلة المتزنة والرصينة والعاقلة، صهباء البدائية ذات الرائحة الغريبة. وقد تعمدت الكاتبة أن تورد الحكي على لسان “حسن الأول”، وهو الشخية الرئيسية فى الرواية، وهذه الحيلة قد لجأت إليها الراوية، عوضاً عن الكتابة بتيار الوعي لتوضح ما يعتمل داخل النفس البشرية من تناقضات، ومن رفض وخوف وشكوك ومعارك الأخوة والأشباه. وكأن صهباء مهدت الطريق لدخول المزيد من التحديثات فى حياة حسن، لكى يتحول المحل القديم القائم على ناصية في حي حدائق القبة، إلى توكيل لساعات عالمية، ويصبح شركة مع اثنين من رجال الأعمال، وهنا لا أن نقارن حسن بين تواجده وقبوعه داخل المحل، وكل ما يحدث حوله في الشارع وقد تحول الحي والشارع والمكان الي شارع استهلاكي بامتياز. وصف التحول الحادث في الشارع، الحي، القاهرة بنتوءاتها الصحراوية الجديدة، كل شيء تبدل حاله فى سرعة فائقة، وفى همة منقطعة النظير، مما يدفعه لضرورة التغير واللحاق بالقطار قبل أن يمضي بلا رجعة ويصبح من المخلفات والمهملات. يوجد في الرواية “النوفلا” الخط الثابت والخط المتحرك، كما في الحياة حسن هو الخط الثابت، والزمن هو الخط الذى يتحرك من حوله بفعل نظرية الجذب الدائرية، المتحرك يجذب الثابت بالضرورة ويتغير معه أيضا، الحياة حول حسن تتبدل سواء للطيب أو السئ، وهناك تغير ما آخر، ومن ثم تجذبه رمال التغير الناعمة نحو الحركة رغماً عنه، حسن الثاني يدفعه للحركة وحسن الأول والثاني يدفعانه للثبات، تماما كعقارب الساعة الثلاثة. تروس الساعة متداخلة، وتدفع بعضها بعضاً للحركة الدائمة والدوارة، نفخت صهباء البدوية الحياة في حسن المنفلت خارج الزمان ليلحق به. تبدل حال حسن بعد الشراكة لتناسب حياة وتتسق مع الحياة المحيطة به، حتى أنه صبغ شعره واستبدل النظارة الطبية بعدسات لاصقة ملونة (لم تمر نصف ساعة إلا وكان سنجاب ذهبي لطيف كالذي رأيته في حديقة الحيوانات يربض فوق رأسي مسترخياً). بقيت علاقته بصهباء البدوية حتى بعد تجديد المحل، ومن ثم مكان لقاءهما الخفي في الحجرة المنفصلة وقد تحولت الستارة الكريتون القديم، إلى باب أوكرديون عصرى. انفتاح حسن على العالم أسفر عن التفكير في تجديد الشقة، وربما استبدالها بأحد الشقق في أحد المدن الجديدة. تخلت الكاتبة في هذا الجزء من النوفلا عن مراقبة حسن للزمن، واستبدلت وصف الساعات القديمة بأعطالها، بساعات التوكيل مدهشة وجديدة مربعة، مستديرة، مستطيلة، وهذا كناية عن استمتاع حسن بالوقت، فلم يعد يشعر باليأس كما في السابق، بل أصبح لديه أحلامه وطموحاته المتعددة، والتى يفاضل بينها ويحاول أن يحققها. تبدلت نظرة أخوته بالاحترام له، بعد أن كانت نظراتهم له يشوبها الاستعلاء وربما الازدراء من جهتهم، كونه لم يكمل تعليمه العالي، وتخلى عن الكلية بعد عام واحد من الانتظام بها، وبالتالى لم يلتحق بوظيفة أو يحصل على مركز مرموق. فجأة تخرج صهباء من حياته بدون مبرر واضح، حيث كانت تدخر لديه المال حتى لا يأخذه ابنها المدمن، كل ما قاله ( عملت حسابك امبارح ولك في ذمتي ألفان وتسع مائة وخمس وأربعون جنيها فقط لاغير ) ( حساب بيننا بعد كل هذا – من هنا وطالع أنا في سكة وانت في سكة ). مضت صهباء بدون رجعة، ارتبكت حياته جدا، وبحث عنها ولم يعثر عليها. قطع صهباء المفاجئ للعلاقة وبدون سبب واضح أحدث له ارتباكا شديدا، وكأن حبله السُري بالحياة قد انقطع، وفقد اتزانه الشخصي، وبدأت ساقية الحياة في الهبوط الى الأسفل. في خضم ارتباكاته وبحثه عن صهباء، قرأ في جريدة الأهرام أن أحد شركائه تورط في مشاركة عصابة كبيرة لتهريب الأثار. مضي يسير بدون وعي في الشارع خائفاً، ساعات طويلة حتى أن أحدهم سأله عما به. تختم سلوى بكر النوفلا وهو يجلس بعد سير طويل لا يعلم كم من الساعات مرت عليه وهو فى هذه الحال، يسأله رجل عجوز عن الساعة، وحسن يفكر في السائل العجوز وفقده للقطار اليوم وانتظاره لقطار الغد. (ثم تركني وقام، وأنا أفكر فيما قاله والقطار الذي فاته وقطار زماني أنا الذي مر ومر، وتركني جالسا هنا على هذه المحطة، أنتظر قطارا وهميا آخر قد يأتي وقد لايأتي أبداً). حين كتبت سلوى بكر سواقي الوقت، كانت إشارة إلى تدافع تروس الساعة وعملها معا لتحقق السير الدقيق المنتظم، توقف ترس واحد وهي صهباء في الحدث نتج عنه توقف باقي تروس الساعة، وربما توقف أحد عقارب الساعة ينتج عنه توقف باقي العقارب ومن ثم الزمن. حسن كان يعيش في الماضي بلاروح أو أمل، حتى تأتي حادثة الخرفان ويجد صهباء لتبث فيه الحياة، وينشط ويبدأ ممارسة الأمل والبحث عن المجهول. الزمن عند سلوى بكر كان دائريا بامتياز بدأ من الصفر وعاد اليه تماما كميناء الساعة، تنتهي عند الرقم 12، ثم يبدأ يوماً جديداً. انتهت مرحلة زوجته الراحلة ظن أنها النهاية، ثم امتطى قطار صهباء ومضت والشركاء ومر القطار، وهو على المحطة ينتظر قطارا جديدا قد يأتي وقد لا يأتي. حسن الشاهد على تبدل الحياة لتصبح محض حياة استهلاكية، تخطفنا الأضواء والإعلانات، ونستبدل كل ما هو أصلي وثمين بالغث.

*روائيه من مصر

شاهد أيضاً

د.هاشم صالح*/لماذا انتصر محمد أركون؟

كنت قد شرحت أكثر من مرة سبب تفوق أركون على جميع المثقفين العرب الذين تصدوا ...