الرئيسية / أخبار ثقافيه / إبراهيم عبد المجيد*/ المُلك والمالك ومابينهما

إبراهيم عبد المجيد*/ المُلك والمالك ومابينهما

بهاء جاهين شاعر العامية صاحب الدواوين الجميلة مثل “الرقص في زحمة المرور” و”القميص المسكون” وكاتب أغاني أفلام مثل “سمع هس” وكذلك أغاني مسرحيات مثل “شارع محمد علي” وأغاني أكتر من مسلسل تليفزيوني وصاحب المقال الاسبوعي في جريدة الاهرام، يفاجئنا مفاجأة أقل ما يقال عنها أنها مذهلة، وسوف يكون لها تأثير كبير في الكتابات الأدبية في الرواية أو المسرح أو الشعر وهي عمله المعنون ” المُلك والمالك ” الصادر مؤخرا عن دار الشروق . يحتاج هذا العمل إلى أكثر من مقال، بل إلى وقت كبير جدا يقضيه الناقد في دراسته في كتاب أو أكثر، فالكتاب الذي يقع في أكثر من ستمائة صفحة، رحلة مابين العقل والخيال، تشمل تاريخ البشرية مع الحق، ومع الشيطان وأتباعه، وأقل مايُقال عنه أنه ملحمة تستعصي على ادراجها في فن من الفنون. فهي مابين الشعر المنثور والنثر الحكائي والتصوير المسرحي والسينمائي. من البداية نعرف أننا أمام تجربة جديدة في الكتابة، حيث أكثر من مقدمة للعمل. الأولي في نوفمبر عام 2015يكتبها هوعن كيف بدأ العمل عام 1999 وكلما انتهي منه عاد مضيفا إليه، ثم تأتي المقدمة الثانية في يوليو 2016 يكتبها ما يسميه بالكائن الرمادي بعنوان “مقدمة ضد المقدمة” وهي حديث من هذا الكائن الذي سيشغل فيما بعد فصولا كثيرة من العمل يقول فيها “قررت أن أخطف القلم بلغة من هذا العمل وأتولي الكتابة بنفسي فاتحا المجال لأصوات ذوات ورؤي أخري وأن أتحرر، أنا قشرة المخ البشري الرمادية المفكرة المبدعة لكاتب العمل” .. ثم مقدمة ثالثة في مايو 2017 بعنوان “قد تكون نهائية” لا يعرف فيها هل انتهي العمل أم لا بدون اسم لصاحبها، ثم مقدمة رابعة في يناير 2019 باسم بهاء جاهين يتعشم أن تكون الأخيرة، عن كيف صار العمل أربعة أجزاء بدلا من ثلاثة، وصارعنوانه جزئه الأخير ” لا انتهاء ” بدلا من “مُنتهي”. من البداية نحن أمام المؤلف وكائنات أخري وندخل إلى العمل الذي يهديه إلى روح الشر في العالم ،وهذا له معني إذ تتسع الرؤية وتتوالى الأجزاء وكل جزء من عدة كتب، وكل كتاب من عدة فصول. الجزء الرابع فقط من كتاب واحد هو العاشر. نتنقل بين الأماكن من القاهرة –الاسكندرية- نيويورك- بلاد اليونان- سديم ضيق بين السموات والأرض- مصحة عقلية وغيرها كثير في العالم والفضاء، والزمان تاريخ أو أسطورة اللحظة الحاضرة، وشخصيات تسكن هنا وأطياف. شادي وتوأمه العقلي شهاب وليلي وأحلام أو مُشتهَى ومُنتهَى. إبليس وعوليس وبنيلوبي وهيركيول بوارو وأجاثا كريستي وخليل ونعمة ربة النقمة وجفراء الجنية المغوية المرعبة وإبراهيم ورباب وفاطمة ودكتور عبد الحكيم لقمان مدير المصحة الكونية للأمراض الروحية وآخرون لهم اسماء أو بلا أسماء كمدير مركز السموات والأرض، والعالم الكهل والعالم الشاب وغيرهم، سيظهرون على طول العمل العجيب. هل يمكن تلخيص العمل. من الصعب فهورحلة بين الملك والمالك تمتلي بالشرور ومحاولات الخروج إلى النور، يأخذ الجزء الأول عنوان” المسلوب” الذي ينقسم إلى كتب وكل كتاب إلي فصول من أول “كيف وقعت في الفخ” ثم “مشروع ملحمة” ونكتشف ان قائله هو شادي وتوأمه شهاب وصراعهما وحوار مع الشيطان تتخلله عبارات بالانجليزية – سنجد بعد ذلك بالفرنسية واللاتينية حين يظهر هوراس وترجمتها. الحوار بين شادي والشيطان ثم شادي وقرينه شهاب الذي لايؤمن بما يكتب شادي تماما كالشيطان . نكتشف أن شادي في مصحة عقلية، لكنه وهو يحكي شعرا منثورا يدور بالأساطير مثل الحمامة المطوقة والحمامة والثعبان والسفينة وبطن الحوت والطفولة وروايات المغامرات. لا تتابع ولا نظام فهنا عقل حائر والحوار بين شادي وشهاب شعرا أو نثرا وأحيانا تعليقات عامية تكسر السرد الأنيق، وأداء كأنه في مسرح ويدخل الشيطان ويتحول الأمر إلى محكمة. شادي متهم وحوارات بين الحاجب والقاضي والنائب والجمهور. المدافع عن شادي المجنون وسارق الشيكولاتة من شنطة أمه!. أما التهم فهي تاريخية من أول قتل هابيل ومافعله حام بن نوح باعتباره كان صديقه والثالثة هدم معبد بني كنعان وزواجه بأمه وقتل ابيه في اليونان – أوديب – وحرق روما وهكذا تاريخ أشهر الخطايا التي عرفها أو اقترفها الانسان يتحملها شادي الذي يعترف بين دهشة محاميه والقاضي ثم الكتاب الثاني من الجزء الأول ولا زلنا مع المسلوب. أرضيته هي الوجود الفعلي لشادي في مصحة الدكتور عبد الحكيم لقمان – لاحظ الإسم- وهو أيضا حوار بين الاثنين وبينهما عاقل هو المؤلف كما يقول، وهو والله المجنون الأكبر ليكتب هذا العمل، وهو طواف بين النهر والبحر والفصل الثاني عروس النيل وعروس البحر ومازالت الجولة في وجدان هذا المسلوب ثم رؤي للأشياء والحيوانات. ويأتي الكتاب الثالث بعنوان “جريمة في قطار الصهد الصفيح” موازاة لجريمة في قطار الشرق السريع في حضن أجاثا كريستي والتحقيق في الجريمة وأرضها الجريمة في معني كلمات مثل بيت وأب وصبح وموت وأخت ونبض وحلم وإعلان وجمال وغولة وفصام وكثير غيرها، حتي تقيد الجريمة ضد المقتول!. الكتاب الرابع متاهات القضاء وهنا تطل قيس وليلي ويمتزج بالاغاني القديمة ويتسع الحديث إلى عوليس وبنيلوبي وخطّابها المنتظرين وتليماك. نصل إلى الجزء الثاني بعنوان “السموات والأرض ومابينهما” وهو جزء رهيب المعنى والمبنى يدور حول معني أن تصف الأرض في ستة يام وتتوالي العلوم والحيرة في وصف “المنظور” الفلكي والمهاجر المطلوب منه ذلك الذي هو عبد الصبور هو شادي وتظهر شخصيات مثل الديناصور والقطب والمريد للقطب وحوار جميل متعدد المعاني ، وتظهر كلمات فرنسية لبعض الشخصيات وتصوير سينمائي بعد أن مر علينا سابقا تجسيدا مسرحيا فيصبح السرد هنا اشبه بكتابة السيناريو وبنائه، ويتكون هذا الكتاب من شظايا بدلا من العناوين وتكون الشظية السادسة لمؤتمر لانقاذ الأرض رئيس المؤتمر والمجتمعون يتوافد عليهم اشرار مثل جنكيز خان وجولدا مائير واخيارمثل سيد درويش ورئيس المؤتمرهو شادي أيضا يقلد صوت الزعيم الخالد ونشطاء يعترضون، ومنقذ معه ورقة بها الحل لايجدها. نذهب للكتاب السادس عن العدمية الوجودية والتراجيديا الملاهية الهزلية الوجودية التيهية اللانهائية بلغة الكاتب الذي يلعب وسط الماساة! وهكذا ننتقل من العلم إلى الفلسفة كأننا لم نكن فيها تجسيدا بين البشر والغرائب، ورحلة أخري ودوران في البلاد. ثم الكتاب السابع بعنوان السماء السابعة أو راحة الكف ويظهر المؤلف أحيانا يكسر السرد وملحق بمختارات من شعر الشيطان الرجيم لا يعجبه شعر شادي فهو شعر لا يرقي في نظره إلى مستوي النقد ويقول “أنا هنا لا أنقده بل انقضه وأهدمه” ومقال للشيطان عن شادي الذي لم يرى اسفافا وترديا مثل خياله ولغته العربية، وقصائد للشيطان الرجيم يختارها شهاب قرين شادي المعارض المتهكم عليه دائما أيضا، لنصل إلى الجز الثالث بعنوان “بالتة ألوان” ويظهر الكائن الرمادي الذي كتب المقدمة الثانية من قبل ويمشي وهنا تتوالي أشياء والأماكن كانهامرسومة بالألوان. نصل للكتاب التاسع فيظهر الورد وفصول متعددة والفتيات والورد الأحمر والأبيض والأصفر وهو من أجمل الفصول الدافقة بالمشاعر عن البنات والورود وألوانها التي تلخص الحب والحظ والأمل. نستمر حتي نصل إلي الفصل الرابع والكتاب العاشر “لا انتهاء” رغم انه انتهي إلى حديث بين الوجود وذاته “وجود 1 ” و”وجود 2 ” عن لغز الوجود وحوار طويل بينهما وغير ذلك، ونكون قطعنا رحلة فنيه هائلة مع الموضوعات الفلسفية التي تتعلق بالوجود والشر عبر التاريخ، وطرق حكي متعدد الأساليب، وشخصيات مجسدة بصدق فني عظيم، وبناء فني مستعصي على التصنيف غير أنه ملحمة. أحب أن أهدي هذا الكتاب لكل الأدباء ليروا كيف تتسع مساحة الحرية في الشكل والموضوع .واسأل ماذا ستكتب بعد ذلك عزيزي بهاء؟

*روائي مصري

شاهد أيضاً

محمد ناجي المنشاوي *:قراءه في كتاب أيام في حياة اللاوندي

مابين عامي 1955 م و2019 م  عاش المفكر  الدكتور سعيد اللاوندي  والذي رحل عن دنيانا ...