الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.جواد رشدي /قراءة في كتاب “الواقع الجديد من النزعة الإقتصادية إلى الوعي الكمي”

د.جواد رشدي /قراءة في كتاب “الواقع الجديد من النزعة الإقتصادية إلى الوعي الكمي”

قراءة في كتاب “الواقع الجديد من النزعة الإقتصادية إلى الوعي الكمي” للفيلسوف الإسباني جوردي بجيم

مقدمة:

قبل الخوض في نقاش مضامين هذا الكتاب الفريد من نوعه  (La nueva realidad del  (economismo a la conciencia cuántica وجبت الإشارة إلى مسألة غاية في الأهمية ألا وهي أن الفلسفة الحديثة على المستوى العربي تندرج ضمن مدرستين كبيرتين، الأولى تنهل عموما من التجربة الأنجليزية بينما الثانية تنهل من الفلسفة الفرنسية و هي المدرسة المنتشرة على المستوى المغاربي بينما أقلية قليلة تمتح من الفلسفة الألمانية و أقلها بكثير من الفلسفة الإيبروأمريكية وهذه إحدى العيوب الكبيرة في الحقل الفلسفي عربيا خصوصا و أن العالم الناطق بالإسبانية برز فيه نوابغ في الفلسفة الحديثة مثل الأرجنتيني ماريو بنخي و الإسباني جوردي بجيم اللذين يعدان إضاءتين فريدتين في مجال تخصصهما لفهم الواقع المعاصر باعتبارهما مجددين إلى أبعد الحدود. تجدر الإشارة في هذا الصدد أن بجيم يكتب أصلا بالكطلانية وكتبه تترجم في حينها إلى الإسبانية و ما يطبعها هو عمقها الإشكالي، فرادتها وإيغالها في التحليل. من الأهمية بمكان الإشارة بادئ ذي بدء إلى أن بجيم يعد أحد رواد الفلسفة الحديثة باعتباره متخصصا في فلسفة العلم والطبيعة و الفكر الإيكولوجي.

في هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أننا سبق أن نشرنا مقالا حول هذا الفيلسوف المتميز بطروحاته ذات الجدة، الأصالة و العمق ولقد عنونا مقالنا السابق حوله كالتالي: “طروحات فلسفية جديدة في إسبانيا نهاية المذهب المادي” وبالنظر لأهمية ما تناوله هذا الفيلسوف الكطلاني المرموق و بالنظر كذلك للإتصالات التي تلقيناها من مثقفين خارج الوطن يطلبون منا الكتابة عنه، أبينا إلا أن نتناول ما كتبه لكن هذه المرة من زاوية أخرى.

لا يفوتنا بهذا الصدد الإشارة إلى كون “الواقع الجديد من النزعة الإقتصادية إلى الوعي الكمي”(2013) و“الذكاء الحيوي نظرة ما بعد مادية للحياة و الوعي”(2016) يعدان من بين أهم ما ألف بجيم، فالكتابين يختزنان عصارة فكره، هذا فضلا عن كونهما أسالا مدادا كثيرا باعتبارهما يعكسان طرحا فلسفيا جديدا، عميقا و أصيلا. لهذه الإعتبارات مجتمعة، تلقى القراء في العالم الإيبروأمريكي الكتابين بشغف كبير.

تتغيا هذه المقالة التطرق لبعض البراديغمات التي تناولها بجيم بغير قليل من التمحيص، العمق، التفكير الإستشرافي والتأصيل الإبستمولوجي والتي من بينها القيم الإنسانية في زمن الإقتصاد الكوني المعولم. من بين دواعي هذا الإختيار نجد عمق التحليل الذي قدمه لما يسميه ب “الواقع الجديد” باعتبار أن الإقتصاد الليبرالي يزحف بكل الوسائل عن طريق الحروب الصامتة، توظيف التكنولوجيا، خلق الأزمات واقتراح الحلول الموجهة المدرة للربح، إحكام قيود التبعية، رسملة العالم(فرض النظام الرأسمالي على العالم بقوانينه و شروطه)، توجيه السياسات الدولية، إلخ.

لم يفوت بجيم الفرصة عبر كتابه السالف الذكر لتناول التحولات الكبرى التي عرفها الواقع المعاصر بفضل الثورة التكنولوجية غير المسبوقة، فالتكنولوجيا بقدر ما تواكب رغبة البشر في سرعة التواصل كونيا، فهي تعد وسيلة لمراقبتهم. فحسب الفيلسوف الإسباني، تعد حيوية التواصل الكوني و تلاقح اللغات والثقافات وسيلة لاختراق الخصوصيات والحريات إلى أبعد الحدود، هذا فضلا عن توجيه المجتمع بتنميط ثقافته، قيمه و تطلعاته حتى غدت قيم السوق هي التي تعتلي هرم المجتمع المعاصر. تلك كانت إحدى الموضوعات التي تناولها بجيم في كتابه المتميز والجسور من أجل استغوار مكنوهات ما يسميه بالواقع الجديد، هذا فضلا عن تناوله بعمق مسألة الإعتقادات و الحدوس، إذ أن كثيرا من هذه الإعتقادات تسير عكس حدوسنا كما وضح ذلك من خلال سيل من الأمثلة، لهذا أكد على ضرورة أن نجيد الإصغاء لذواتنا في ظل عالم يعيش اختلالات على مستويات عدة.

لا يفوتنا في هذا الصدد الإشارة إلى كون كتاب بجيم في مجمله يخلق لدى القارئ أفقا تخييليا أفسح و أرحب باعتبار أن منطلقات التفكير لدى هذا الفيلسوف الكطلاني متعددة المشارب، فيكفي أن نتصفح عدد الإحالات التي اعتمدها حتى يتبن لنا مدى العمق و الرحابة الفكرية، الكونية، الحضارية و الإنسانية لديه. جدير بالذكر أن قيمة الكتاب لا تنفصل عن قيمة كاتب لا يماري و لا يداهن و لا يهادن في قول الحقيقة و في استجلاء مضمرات الواقع السائد و في دحض أزعومات بعض التوجهات الإيديولوجية الملفوفة في لفافة الدفاع عن التعددية دون الإلتفات إلى جواهر الخصوصيات.

عولمة الإقتصاد وتوجيه القيم:

عبر كتابه الجسور و اللماح “الواقع الجديد من النزعة الإقتصادية إلى الوعي الكمي” ظل انهمام بجيم مصوبا نحو تفكيك مسببات و مآلات ما يسميه ب “الواقع الجديد” معتمدا في ذلك على صرامة الباحث الأكاديمي و تساؤل الفيلسوف غير المهادن خصوصا و أنه موسوعي في ثقافته و عميق في التزاماته. من بين ما استهل به كتابه، نجد مسألة الديموقراطية في زمن تغول قيم السوق وما شاب ذلك من تحيف و اختلال أدى إلى تسطيح القيم الحقة، تطويعها بل و حتى إفراغها من جوهرها لكي تتمكن ثقافة الإستهلاك من اكتساح كل شيء، من هنا ليس غريبا أن تتحول الكثير من الحقوق إلى خدمات مؤدى عنها.

إن تغيل ثقافة الإستهلاك، تعد من وجهة نظر بجيم امتدادا لمسلسل تسطيح القيم المعنوية و خصوصيات الشعوب بغية تأويج الربح المادي. إن آلة تدوير القيم الحقة ظلت تشتغل دون كلل و لا ملل حتى وصلنا إلى أوج التتفيه، الإنسياقية، الإبتذال، الإجترار و الإستهلاك. تزداد الأمور تعقيدا عندما يصبح العقد الإجتماعي و المواطنة مفاهيم مفرغة من محتواها الحقيقي وبخاصة عندما تصبح الفوارق الطبقية فظيعة والتي تزداد فظاعتها عندما يتعلق الأمر بمقارنة دول الشمال مع دول الجنوب.

لقد ظل الواقع الجديد يضمر منازع الهيمنة عبر كل الوسائل حتى غدا التعليم بدوره مفصل على مقاس التحكم و التوجيه لصناعة “مواطن/مستهلك”. أمام هذا التنميط المعمم وما يمكن تسميته ب “التعليب الثقافي”، أبى بجيم، المهجوس بالتوضيح، إلا أن يغوص في سراديب هذا الواقع الجديد تحليلا و تفكيرا حتى لا يظل على غُجَرِهِ و بُجَرِهِ. فباعتباره فيلسوفا مجتهدا، مجددا بل و حتى إشكاليا، سعى بشكل دؤوب نحو تنضيح المستغلق في فهم الأبعاد القصية لهذا الواقع الذي نعيشه بكل متاهاته، تشابكاته و تعقيداته في ظل زخم الروافد و سيل التأثيرات.

لم يقف بجيم عند هذا الحد بل تجاوزه نحو القول بأن: “جعل الديموقراطية مطابقة لقيم السوق”(1) كانت إحدى الغايات التي سعى إليها المنظرون الرأسماليون وهذا ما يؤكده من خلال قوله بأن من بين آليات اقتصاد السوق نجد اللاتوطين الذي تكمن وظيفته في عولمة الإقتصاد الليبرالي. إن أبرز ما ميز هذه العولمة على مر العقود الماضية، نجد هناك فكرة مضاعفة الأرباح باستعمال كل الوسائل، الشيء الذي نتج عنه تركيز الثروة في أيدي فئة قليلة من الرأسماليين. لقد أدى استغلال هؤلاء للأيدي العاملة الرخيصة إلى مراكمة ثروات هائلة في الوقت الذي ظلت شعوب دول الجنوب ترزح تحت نير الفقر و البؤس. إن عولمة الإقتصاد تعد من هذا المنطلق واقعا جديدا غايته الهيمنة بشكل يخدم الإقتصادات الغربية و هذا ما يدخل في إطار ما يسمى بتجديد استراتيجيات الهيمنة. فالإقتصاد التوسعي بعد أن يستغل جهد فئات عريضة من اليد العاملة الرخيصة في دول الجنوب، يتركها بعد مدة قصيرة من العمل تواجه مصيرها المجهول بعد التخلص منها دون أدنى الحقوق و بعد ذلك يتم استبدالها بأخرى. ينتج عن ذلك تضخم النزعة الفردية حد التطرف بالإضافة إلى انصرام و تبدد القيم الإنسانية الرفيعة باعتبار أن الوجود بكل تشعباته و تمازجاته اخْتُزِلَ في نظرة مادية ممركزة.

في نفس السياق، لم يفوت بجيم الفرصة للحديث عن التلوث الفظيع الذي عرفه العالم والذي يعتبر نتاج الجشع والجري وراء مراكمة الأرباح، إذ أن أكبر ملوثي البيئة لم يوقعوا على اتفاقيات حماية البيئة. في المحصلة، يعني ذلك تهربا من المسؤولية الأخلاقية والإجتماعية. إن منهجية الحفر في أعماق الواقع الجديد لدى الفيلسوف الإسباني لم تقتصر على قيم السوق، بل تعدتها للغوص في التأثيرات التي أحدثتها كل من الحوسبة و الرقمنة المفرطة للشبكة العنكبوتية، فكلاهما ساعد بشكل كبير في التحكم في الأسواق من خلال التوجيه و التحكم في المضاربات الإقتصادية كونيا. في هذا السياق استشهد الفيلسوف الكطلاني بالإقتصادي جون زغلر(Jean Ziegler) الذي ذكر بأن عدد الناس الذين يموتون يوميا بعد أن تضوروا جوعا يصل إلى 57000 شخص و موتهم ليس قدرا محتوما بل قتل(2).

إن الشركات المتعددة الجنسيات و إن كانت تحدث ديناميات خلاقة كونيا إلا أن هذه الديناميات تظل موجة ومتحكم فيها لكونها تخدم فئة جد محدودة. ينتج عن ذلك تنامي العنصرية، العنف البنيوي و التطرف. من هنا، فإن اندغام فكرة الإقتصاد التوسعي و التحكم الكوني تعدان وجهان لعملة واحدة. ينشعب عن ما سلف، تبدد فسيفساء الخصوصيات الوطنية بغية ابتلاع كل شيء وتحويله إلى منتجات بعد تنميط و تبديد ثقافة المقاومة.

ضمن نفس الكتاب السالف الذكر، أفرد بجيم حيزا مهما للحديث عن شبكات التواصل الإجتماعي موضحا أن هذه الشبكات التي تم خلقها بشكل فائق العناية لتشجيع الناس على التعبير العفوي حتى يتمكنوا من إخراج معاناتهم و ضغوطاتهم أي واقعهم المرير، سمحت للإقتصاديين و السياسيين معرفة ما يفكر فيه الناس وكذلك معرفة تطلعاتهم من أجل استغلالها اقتصاديا لمراكمة الأرباح و من أجل توجيه الرأي العام و التحكم في أوسع الجماهير. نستشف من كل ما سلف أن كل شيء يسخر من أجل تفادي عدم هدر الزمن الربحي، التحكمي و التوجيهي. هنا تحديدا يعود ليؤكد أننا لا يمكن أن نختزل الحياة و الواقع في: البيع، الشراء، الربح و الإستهلاك، إذ أنهما أبعد بكثير من أن نقوقعهما في هذه الدائرة الضيقة فالوجود الإنساني يظل، مهما قيل عنه، متعدد المشارب و الأبعاد.

إن الواقع الجديد يملي علينا، أكثر من أي وقت مضى، ممارسة النقد الإجتماعي حتى لا يظل الناس ضمن دائرة التدوير و إعادة التدوير للقيم الحقة التي تجعلهم لا يتفاعلون إيجابيا مع التحولات التي يعيشونها بل وحتى لا يظلوا في السلبية المفرطة، الإستهلاك الفظيع، التباهي المقرف، العناد الأرعن، التفاهة المعممة والتغبية الكاسحة. لقد وصلت سياسة الإستهلاك حد تبني استراتيجيات صناعة الجمهور و من ثم صناعة البؤس الفكري من قبيل المثقف التلفزيوني من ذوي المساجلات الجوفاء والتعابير المحفوظة عن ظهر القلب و الذين يفهمون في كل شيء. من هنا الخلاصة التي لطالما دافع عنها بجيم والتي مفادها أن الحرية تبدأ عندما ينتهي الجهل و الوصاية والإختزال.

تغريب الفرد عن واقعه يعد واقعا جديدا:

يقول أحد أمثال الهنود الحمر:

“عندما تقطع آخر شجرة، تسمم آخر نهر وتصطاد آخر سمكة ستعلم حينها أن المال لا يؤكل”(3) وهذا ما ينطبق بشكل كبير على ما آل إليه واقعنا الجديد. كتب ذات يوم أسكار وايلد (Oscar Wilde): “اليوم الناس يعرفون ثمن كل شيء لكنهم لا يعرفون قيمة أي شيء” فوراء الجري خلف الموضة و التصنيع المفرط، هناك مسلسل تفكك التماسك الإجتماعي و تلويث البيئة. فالمال مهما بلغت قيمته فهو لا يعوض الواقع الملموس وهذا ما ساهم إلى حد كبير في تغريب الفرد عن ذاته و عن واقعه لأن منظوره إلى العالم يتحدد من خلال كسبه للمال و جريه المفرط وراء مراكمة الأرباح، هذا من جهة، أما من جهة أخرى، فحركة انتقال المال لا يواكبها حرية تنقل الأشخاص وهذا وجه من أوجه تحكم فئة جد محدودة من الرأسماليين الليبراليين في ثروات ضخمة.

إن نشر الوهم، الأحلام الزائفة، الصنمية الثقافية، التكلس الفكري، الإختزال، التفاهة و السطحية كلها أسباب أبعدت الفرد عن واقعه الحقيقي، الشيء الذي غمره في متاهات الإغتراب عن الذات وعن محيطه وبدل أن يكون ذا فعالية أصبح الإهمال يتحكم في سلوكه بالإضافة إلى غياب المسؤولية، الرداءة و النزعة الإستهلاكية، لأن الإقتصاد الرأسمالي حَوَّلَ الواقع المعقد و المركب إلى عوالم من التجريدات. لقد تعمد الإقتصاد التقنوقراطي تجاهل تجربة التاريخ الإقتصادي لأن التجربة و التاريخ غير قابلين للحوسبة. نحن نتجه نحو مجتمع حيث يتحكم 1 في المئة في 99 في المئة. في نفس السياق يؤكد بجيم أن 20 في المئة تستهلك 86 في المئة من ثروات العالم بينما ال 20 في المئة تستهلك فقط 20 في المئة(4) وهذا نابع من النسق الأعمى للإقتصاد المعولم.

تعتمد آليات الإقتصاد المعولم على الكم و على كل ما يمكن حسابه وهذا له علاقة مباشرة بالهوس بالفاعلية من أجل مراكمة الأرباح وكل ذلك مجتمعا يتغذى على تدمير القيم، الواقع الإنساني المتناغم، القيم الجمالية، البيئة، إلخ. فالنزعة الفردية المفرطة تحطم تماسك الجماعة وقوتها بشكل مستمر، يضاف إلى ذلك أن الفكر التجريدي الأحادي المنحى، ساهم بشكل كبير في التسطيح و اللامعقولية. حسب وايتهيد(Whitehead إن كل ما يخرج عن دائرة المنطق فهو أقل واقعية(5)، لهذا نجد أنالعقلية التقنوقراطية تفرط في التجريد والتخصص، مقابل هذا الواقع، يظل العقل البشري متميزا بقدرته الهائلة على التمطط عن طريق النورونات لخلق شبكة من العلائق المتداخلة، فالنورونات المرآة(neuronas espejo) تؤكد أن ما يوجد بداخلنا لا يختلف عما نراه حولنا: “العالم الذي تتطور فيه حياتنا هو مرآة لما نحن عليه ونحن كذلك مرآة لهذا العالم.”(6) فكما تؤكد ذلك الفيزياء الكوانتية، لا توجد هناك ظاهرة ذات معنى دون مشاركة أحد الملاحظين(7)، يضاف إلى ذلك أنوجودنا يظل وثيق الصلة بوعي الأنا بذاتها وبقدرتها على النمو في محيط يتميز بالتفاعل الإيجابي، لكن الواقع غير ذلك، لأن الجزء الكبير من الأنا منغمر في اللاوعي. بالنسبة لفرانسيسكو بريلا (Francesco Varela) “الذهن لا يوجد في الرأس”(8) لأن الذهن هو تحديدا تفاعل بين الجسد و العالم.

إن العالم كل لا ينفصل، فلكل جزء دلالة في هذا الكل تماما كالرأس و الجسد. هنا يعود بجيم للتوضيح على أن هناك تقاطبا بين الموضوعية والعقلانية، فعلوم مثل الأدب، الفن و الموسيقى، بشكل عام و إن كانت تبدو علوما متناقضة مع العلوم الدقيقة و التي تقتضي العقلانية إلا أنهما في الحقيقة يتكاملان، فالأولى لها علاقة بإخراج كنه الذات إبداعا و تعبيرا أي الإحاطة بهواجس و دقائق العالم الداخلي بينما العلوم الدقيقة تعكس واقعا دقيقا باعتباره قابلا للحساب و التجسيد. نحن إذن أمام جدلية العالم المادي و اللامادي التي تغير باستمرار رؤيتنا للواقع. فحسب بجيم، لكل علم قطبيته الخاصة لأن كلا القطبين يعكسان التجربة الإنسانية.

عندما كتب شوبنهاور “العالم كإرادة و تمثلات” أكد على أن العالم قسمين: أولي و أساسي فالأولي هو ذاك الذي له علاقة بالحياة و بالمعيش اليومي وهناك عالم التمثلات حيث تدخل المجازات، التجريد والطروحات الفكرية(9) إلى أن جاء طرح نيتشه الذي يدافع على مبدأ التفريد(principio de individuación) الذي يعطينا خصوصية وجودية في الكون أي بعدا روحيا يتجلى من خلال إحساس الفرد أنه مرتبط بالطبيعة. في القرن العشرين جاء طرح آخر لا يقل أهمية عن ما سبقه ألا وهو طرح هنري برغسون(Henri Bergson) عبر كتابه “التطور الخلاق” الذي يتحدث فيه عنالمجال الحيوي لدى الإنسان و الذي له علاقة بكل ما هو حي و عضوي بينما المجال المفاهيمي له علاقة بالذكاء الذي يفكك الأشياء بشكل ميكانيكي(10) والذي يحرك الجماد. من هنا فإن التطور الخلاق يظل شديد الإرتباط بالديناميات سواء المرئية أو اللامرئية. بناءً على ذلك فإن الثقافة، في جل تفاصيلها، تَحْيَى في دينامية التداول، السفر و التمازج. إن التعصب للهوية مثلا، يُعَدُّ تجديفا ضد تيار الثقافة باعتبارها أفقا رحبا للأخوة الإنسانية. إن الثقافة من خلال هذا التوجه هي دائرة الممكنات الكونية فدونها، من دون شك، سيجد الإنسان نفسه أمام انسداد فظيع لآفاق وجوده. لهذا أكد بجيم على ضرورة تحقيق الأمن الثقافي للمواطن و إعادة إعمار الفضاء الثقافي الهش، المتدني و الرديء بالثقافة الحقة، الراقية، العالمة و المواطنة.

بالنسبة للفيلسوف الإسباني البارز خوسي أورتيغا إي غاسيط (José Ortega y Gasset) فهو يميز بين “الحياة العفوية” و “المنطق الخالص” وهو ما فصل فيه من خلال كتابه “موضوعة زماننا”(El tema de nuestro tiempo)(11)، لقد جعلتهذه الحياة المزدوجة الفرد يحاول أن يواجه هيمنة المنطق الخالص لأنه يستمد حريته من العفوية باعتبارها انطلاقا للذات و انسيابية في التعبير عن خوالجها وجوارحها. فحسب أورتيغا، إن العقل الخالص: “لا يعدو أن يكون سوى مجرد جزيرة عائمة فوق الحيوية الأولية”(12) ويقصد هنا تلك الحيوية الأولية التي جُبِلَ عليها الفرد و التي تعطيه إحساسا أكثر بالحرية و بأنه هو ذاته، ولهذا دافع الفيلسوف الإسباني المقتدر و الأصيل على ضرورة أن يخضع العقل الخالص للحيوية الأولية لدى الفرد، بحيث يصبح هذا العقل الخالص في خدمة الحيوية و العفوية عنده.

إن الفرد كان وسيظل كائنا اجتماعيا، ثقافيا، مبدعا و محبا للحياة و باعتباره هذا الكل، لماذا إذن الخوف من الإبداع و التجديد؟ فدونهما سنعود للإنحباس الثقافي، الفكري و الحضاري، هذا فضلا عن كون الإختلاف يعد، من هذا المنظور، أكسيجين التعدد. إن الواقع الجديد مدين بشكل كبير للدينامية التي خلقتها وسائل الإتصال الحديثة التي سرعت حركية التواصل على المستوى الدولي وبالتالي فالتجربة الجماعية لها علاقة وطيدة بتطور السياق الدولي الذي هو نفسه نتاج تراكم تاريخي. فالجدة المتسارعة كونيا، تظل وثيقة الصلة بتعاظم الإنفتاح على الكونية و جدير بالذكر أن هذه الإنسيابية في التواصل ما فتئت تتقوى و تتعاظم بتوسع شبكة العلائق الإجتماعية و تجدد سياقات المبادلات.

من خلال محتويات مركزة و مكثفة، ميز بجيم عبر كتابه السالف الذكر بين الذهنية الحسابية و الإستكشافية، موضحا أن كلتا الذهنيتين لهما خصوصياتهما في علاقتهما بالمحيط والتي تساعدهما على فهمه. فالعقل المنطقي قد يتطرف في الإستغوار الحجاجي لدرجة قد تجعله يقبل خلاصات عبثية، لهذا فإن ما يجعله يتخلص من هذه النتائج التي خلص إليها هي استنارته بالمعنى المشترك السائد مجتمعيا. فوراء جدران العقلانية المنيعة، هناك رحابة الأدب والفن و الإبداع التي تصنع لنا الإنسان في بعده العميق و الشمولي، إذ أنه دون هذه المجالات، سيظل الإنسان على هامش الحياة بدل أن يكون في قلبها. في هذا الصدد، وضح بجيم أمرا غاية في الأهمية و هو التالي: إذا كانت المعارف العلمية قياسية باعتبارها تُخْضِعُ كل ما هو ملموس لمنهجية دقيقة، فإن القيم الإنسانية ليست قياسية بل موضوعية مثل: الفرح، السعادة، الألم، الذوق، الإنطباع، إلخ. ويعود ليوضح أن التعليم الموغل في العلمية ينتج لنا فردا/آلة بدل أن ينتج فردا/إنسانا.

إذا كان المنهج العلمي يهدف إلى السيطرة على الطبيعة، فإنه من جهة أخرى يختزل الوجود الإنساني في الإنتاج و السيطرة على الواقع بينما الواقع في عمقه متعدد، معقد ومتجدد تبعا لتجدد السياقات و تشابك التقاطعات الثقافية، الفكرية، العلمية، الحضارية، إلخ. فمن منظور بجيم، إذا كانت الفيزياء الكمية قد أحدثت رجة قوية في العلوم الحديثة فإنها تظل، مهما قيل عنها، أفقا من بين ممكنات كثيرة لفهم الواقع. فحتى الحداثة، بكل رحابتها، غير قادرة على الإلمام بعمق الواقع إذا ما ظلت مقتصرة على الجانب المادي باعتبار أن هناك كذلك حداثة فكرية التي تعتبر آلة لتحريك هذا الواقع حتى لا يسقط براثن الدغمائية والأحادية الفكرية. بتعبير آخر، إن الواقع لا يتحرك فقط على المستوى الزمني بل على المستوى الفكري والعلمي كذلك ويضيف بجيم موضحا أن الواقع أعمق من أن يختزل في اشتغال ميكانيكي، لهذا وجب التفكير في عمق و جوهر الطبيعة بالإعتماد على الإدراك، التأمل، تقاطعات الأغيار، تجاوز الأنساق الثقافية، اشتغال الذاكرة والوعي المتعدد المشارب. في هذا الصدد، يعود ليؤكد أن الوعي هو الذي يعطي معنى لكل ما نفعل باعتباره استبطانا لجوهر الأفكار و الأحاسيس التي توجه سلوك الفرد، تعابيره، مواقفه ورؤيته للعالم.

في نفس السياق استرسل بجيم موضحا أن الأشياء ذات الطبيعة الحيوية و المعقدة و كذلك الوظائف الدماغية لا يمكن أن تختزل في معنى دقيق و مطلق، لكن يمكننا فهمها جميعها من خلال المجال العلائقي، لهذا فالتفكير الأحادي لا يمكن أن ينيرنا بشكل مكين ووجيه. فالمنطقي و الأحادي و الخطي لا يستقيمون في المجال التنويري إلا بقدرتهم على ربط علائق تواصلية بناءة و متضافرة من أجل تأويج الفهم، لأن الفهم قبل أن يستند إلى التفكيك، التحليل، الشرح و التأويل، يحتاج لعلائق تواصلية بين شتى المعارف و السياقات.

بالإضافة إلى ما قيل، أكد بجيم على أهمية الوعي بدور الطبيعة باعتبارها العالم الذي يخلق لدينا توازنا روحيا ونفسيا و باعتبارها فضاءً لممارسة التأمل الذي من شروطه الهدوء، السكينة والصفاء الروحي. إن الطبيعة تظل بالنسبة له معجزة الوجود ومجالا حيويا لتقييم المعارف العلمية عبر كل العصور. بهذا الخصوص، يعود الفيلسوف الكطلاني ليوضح بأن الطبيعة تقوي لدينا الذكاء الطبيعي بينما المجال العلمي يظل حبيس المناهج و القياس، فمثلا التفوق في الحساب، بالنسبة له، يدخل في مجال الذكاء الإصطناعي الآلي الذي يظل مجالا محدودا في فهم الواقع نظرا لكونه مجرد مدخل ضمن مداخل عدة للفهم و بالنظر لكونه نقطة ضوء متناهية الصغر تشق طريقها في شساعة الظلال المعتمة للعالم و الوجود.

الفرد والتحولات الإقتصادية الراهنة:

كتوطئة لفهم هذا التحول، استند بجيم إلى ما قاله الإقتصادي البريطاني إرنست فريدريش شوماخر(Ernst Freirich Schumacher) : “إن تجاهل الكائن البشري باعتباره مرتبطا بالعالم الطبيعي له صلة وثيقة بالمنهجية الإقتصادية”(13). إن هدر زمن التفكير و التفكيك و التحليل و إنتاج الخطاب و المعرفة يعني الإرتكان في استدامة الجمود. تجدر الإشارة في نفس السياق إلى أن كلمة “اقتصاد” تعني لدى الإغريق الأوائل التدبير الجيد، لكن الإقتصاد بشكل مركز هو السعي الدؤوب نحو التدبير الجيد في عالم يسوده اللايقين و التبئيس و التسفيل. ولكي نفهم أين أصبحنا في عالم اليوم، أحالنا بجيم على ما قاله الإقتصادي الأمريكي كنيث بولدينغ (Kennet Boulding): “كي تعتقد أنه ممكن أن يكون هناك تطور غير محدود في عالم محدود عليك أن تكون أحمقًا أو إقتصاديًا.”(14).

إن الإختلالات الإقتصادية التي تظهر هنا وهناك هي دليل على أن التفكير في الإقتصاد لم يعد له صلة وثيقة بالواقع، من هنا غدت الحماقة واسعة الحضور باعتبارها منزوعة القيود. في نفس السياق يشير أوجين مينكوفسكي Eugène Minkowski إلى كون القرن العشرين يعد قرن العقلنة المفرطة، الشيء الذي أدى إلى وضع مرضي حقيقي(15)، إذ أن هاجس العقلنة في كل شيء و الرغبة في الإنفتاح على الحياة عبر الفن، الشعر، الموسيقى و كل الفنون التعبيرية التي ظلت تكتسي لدى شرائح واسعة طابع اللاعقلانية، خلق لدينا أفرادا سكيزوفرينيين.

إن نكران دور الإبداع باعتباره جزءا من عالم لا يخضع للصرامة العقلية، أدى في نهاية المطاف إلى اختلال قيمي وسلوكي فظيع لدى الأفراد و الجماعات، فالإنتاج المادي لوحده لا يخلق لدينا فردا سويا نفسيا و اجتماعيا. لقد أصبح الأفراد في المجتمع ككتل متنافرة لا يجمعها شيء غير الإستهلاك، السطحية، التفاهة، الإجترار، التقليد، التطرف في النزعة الفردية، البؤس الثقافي و الفكري ومن ثم يغدو القول أن سلوكاتهم أصبحت ميكانيكية وكأن الأمر يتعلق بمجتمع مكون من آلات متنقلة وهو ما يعكس في المحصلة واقعا اجتماعيا متشظيا.

خاتمة:

لا نملك على سبيل الختم سوى التأكيد على أن المكننة المفرطة للعالم قد أدت إلى كوارث عظمى لا تزال تلقي بظلالها على الأفراد و الجماعات، من أبرز مظاهرها اللاشخصانية التي تطبع واقع الفرد بالإضافة إلى التشييء، الإستلاب و السكيزوفرينية. لقد ظل بجيم متيقظا، بشكل هائل أمام الواقع السائد المنمط، لذلك سعى بدقته و عمقه و صرامته المعهودة أن يوضح لنا إلى أي حد تظل العقلانية المفرطة ذات بعد خطي و أحادي لكونها ليست الوسيلة الوحيدة لفهم الواقع، فالواقع أعمق من أن يختزل في العقلانية بالنظر لكونه معقد وله انسيابية ذات زخم فظيع. تأسيسا على ما سلف، يعتبر الإبداع، من منظور بجيم، المجال الأكثر قدرة على جعلنا ندرك غنى الواقع و عمق الوجود باعتباره ينهل من العقل و الخيال معا، لكن هذا الأخير هو الذي يمطط الحلم و الأمل في أشكال متعددة تجعلنا ننأى عن التكرار و عن الإحساس بأن الأفراد هم مجرد كتل متنافرة في هذا العالم وكأنهم منفصلون عنه.

إن أحد مداخل فهم الواقع الجديد هي الواقعية السياقية، لأن هذه الأخيرة هي من تمنحه الزخم و الحيوية لكونها شبكة من العلاقات المفتوحة يصعب إدراك بداياتها و التكهن بمآلاتها. من هنا وجب الإنتقال من التفكير الخطي الأحادي نحو التفكير العلائقي السياقي باعتباره يخلق تفاعلا مستمرا و من ثم تحويلا و تغييرا للواقع. لقد ظل نقد الأحادية أحد هواجس بجيم باعتبار أنها تزج بنا في الإختزال، هذا فضلا عن كونها قد تلغى قرونا من تطور البشرية خصوصا أن العالم الذهني للفرد هو سلسلة تجارب متراكمة و مفتوحة بشكل دائم على المستقبل، من هنا لا شيء يوجد خارج مشاركتنا. بناءً على ما سلف، يعود بجيم ليؤكد في نهاية الكتاب على أن الواقع ليس هو المادة بل الوعي و الإدراك معززا خلاصته بما قاله هرقليطس “إن التناغم اللامرئي يعد أكثر قوة من التناغم المرئي”(15)  

جواد رشدي

أستاذ باحث ـ المغرب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ الهوامش:

(1)- Jordi Pigem, La nueva realidad del economismo a la conciencia cuántica,Barcelona, editorial Kairós, 2013, p. 13

(2)ـ نفس المرجع، ص 16

(3)ـ نفس المرجع، ص 19

(4)ـ نفس المرجع، ص 23

(5)ـ نفس المرجع، ص 26

(6)ـ نفس المرجع، ص 30

(7)ـ نفس المرجع، ص 32

(8)ـ نفس المرجع، ص 34

(9)(10)ـ نفس المرجع، ص 37

(11)(12)ـ نفس المرجع، ص 38

(13)ـ نفس المرجع، ص 61

(14)ـ نفس المرجع، ص 67

شاهد أيضاً

محمد ناجي المنشاوي *:قراءه في كتاب أيام في حياة اللاوندي

مابين عامي 1955 م و2019 م  عاش المفكر  الدكتور سعيد اللاوندي  والذي رحل عن دنيانا ...