الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.عماد بسام غنوم*/أصوات الهامش مابين الديمقراطية والانتخابات

د.عماد بسام غنوم*/أصوات الهامش مابين الديمقراطية والانتخابات

صدرت في الآونة الأخيرة الكثير من المقالات والكتب حول أسباب فشل الديمقراطية في دول العالم الثالث، لا سيما في بلداننا العربية، وبغض النظر عن مقولات السياق الثقافي الذي أنتج الديمقراطية الغربية، وغياب هذا السياق في العالم العربي، فمن غير المعقول أن تفشل تجاربنا الديقراطية بسبب ذلك بينما ننجح في استهلاك كل شيء غربي!!

سنحاول البحث عن أسباب هذا الأمر في نظرية الهامش والمركز أيضًا، إذ نعتقد أن هذه النظرية تستطيع تفسير الكثير من الواقع الذي نعيشه اليوم، وهذا لا يعني أننا ننفي الدور الذي يؤديه السياق الثقافي في فشل التجارب الديمقراطية التي نتكلم عنها، ولكننا نعتقد أن جملة من العناصر المعقدة تتضافر لتشكل الأسباب التي تؤدي إلى فشل الديمقراطية لا سيما الانتخابات في بلداننا العربية، وغيرها من دول العالم الثالث.

لا نريد هنا أن نكرر الانتقادات الموجه إلى الديمقراطية، لا سيما ارتباطها في بعض الأحيان بالشعبوية، وعجزها عن إفراز نخبة قادرة على قيادة الدولة، يضاف إلى ذلك خوف عدد من المفكرين من الديمقراطية لأنها تستطيع في ظل ظروف معينة أن توصل إلى السلطة أبشع أنواع الديكتاتوريات أو القادة المتعصبين من اليمينيين المتطرفين ولا يزال انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب حاضرًا في الأذهان، إن كل هذه الانتقادات مهمة، وتتأكد من خلال تحول الديمقراطية في بعض الدول إلى أوليغارشية كما في لبنان والعراق على سبيل، حيث تسيطر فئة تملك المال والنفوذ على السلطة وتستأثر بها وتعيد تكوين نفسها وإنتاج سلطتها.

في الواقع تحتل الانتخابات مكانة مهمة في الديمقراطية، فالديمقراطية والانتخابات أمران متلاحمان وملتصقان لا يمكن التفريق بينهما، بل إن بعض علماء السياسة مثل صامويل هنتنجتون (١٩٢٧-٢٠٠٨) كان لايرى في الديمقراطية أكثر من الانتخابات، وفي كل الحالات، فإن الانتخابات هي الطريق الوحيدة لتغيير الحكومات في نظام ديمقراطي، باعتبار أن الديمقراطية تعني حسب كارل بوبر قدرة المجتمع على تغيير الحكومة بدون إراقة دماء. وهنا نطرح السؤال الأهم لماذا تشهد دولنا العربية دورات انتخابية تليها أزمات حكم، ودخول في دورات العنف المتكررة؟!

لا بد من الاعتراف أنه لا يمكن إيجاد انتخابات ديمقراطية من دون عقلية ديمقراطية، بمعنى اعتراف الفريق الخاسر بنتيجة الانتخابات، والتسليم بها، والاعتراف بحسنات الآخرين، وعدم اتهام الآخرين بالخيانة الوطنية، إن هذه الاتهامات تفتح المجال واسعًا أمام ممارسة العنف ضد الخصم السياسي باعتباره يستحق الموت والنفي لأنه أصلاً قام بفعل الخيانة الوطنية، إن مثل هذه الاتهامات لا توجد في انتخابات الدول الغربية على سبيل المثال، بل يتنافس السياسيون على إيصال مشروعهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي إلى الحكم.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، وفي المظهر العام يبدو أن آلية تطبيق الديمقراطية تتيح لجميع أطياف المجتمع التعبير عن آرائهم بشكل متساوٍ بحيث تتحقق العدالة بين الجماعات المركزية والجماعات الهامشية في المجتمع، لكن هذا الأمر لا يتحقق و بالتالي لا يؤدي إلى وصول أصوات المهمشين و التعبير عنها، ويحلو لنا أن نضرب مثالاً من بلدان العالم الثالث لا سيما البلدان العربية التي تشهد انتخابات دورية ولكن هذه الانتخابات لا تؤدي إلى وصول من يمثل شرائح الهامش إلى السلطة أو حتى مجرد من يوصل صوتها.

وفي محاولة فهم الأسباب الكامنة وراء ذلك، فإننا ندرك أن المهمشين لا صوت لهم بل يكتفون بتكرار صوت المركز والجماعات المركزية في الدولة، تلك التي تسيطر على وسائل الإعلام والصحافة والتلفزيون، وتفرض خطابها المركزي الذي يكرره أتباع الهامش، إذ إن الواقع لا يتيح لجماعات الهامش الغارقين في بؤسهم اليومي أن ينتجوا خطابهم الخاص أو أن يكون لهم صوتهم الذي يعبر عن حاجاتهم وهواجسهم وطموحاتهم، وعلى سبيل المثال كيف لفلاح بسيط فقير أن يتناسى حاجاته الخاصة ويكرر خطابات وسائل الإعلام العربية –المسيطر عليها من قبل الأنظمة- عن الوحدة العربية والصراع العربي الإسرائيلي و غيرها من القضايا الكبرى التي لا يستطيع هذا الفلاح أن يؤثر فيها لا من قريب ولا من بعيد، و من نافل القول إنه كلما اشتدت قبضة الدولة المركزية علا صوت خطابها وغابت أصوات الجماعات الهامشية وقضاياها، وهكذا تعجز الديمقراطية في أن تكون معبرة عن أصوات كل مكونات المجتمع، ما يتيح لبعض القوى السلطوية إعادة إنتاج نفسها من خلال الخطابات التي تفرضها على الهامش.

إن الحل الأمثل و العلاج الأجدى لتفعيل الديمقراطية وجعلها تعبر عن أصوات الجميع بالتساوي يكمن في تراجع خطاب المركز لصالح الهامش أو الهوامش المتعددة الموجودة في المجتمع، ما يمكن هذه الجماعات من إنتاج خطاب مستقل ومعبر عنهم، إن المجتمع الكبير يشبه في تكوينه أصغر وحدة في المجتمع أي الأسرة فلو كان الأب في البيت يحتكر السلطة في البيت فإنه سيفرض رأيه على الأسرة بكاملها وستتحول الزوجة و الأولاد إلى هامش، ولو تقاسم الأب السلطة مع زوجته وفرضا رأيهما على الأولاد فستتقلص مساحة الهامش وتتمدد مساحة المركز، أما في الأسر الأكثر تطوراً حيث يُشرك الآباء الأبناء في اتخاذ القررات فإن الهامش يختفي ويتحول المركز إلى مراكز متعددة لها رأيها وهي فاعلة ضمن نطاق الأسرة، وبالقياس على المجتمع فإن تراجع خطاب المركز لصالح الهوامش المتعددة فيه يؤدي إلى نشوء مجتمع يتساوى فيه الجميع وتستطيع كل فئات المجتمع التعبير عن نفسها وإيصال صوتها المستقل.

لا أدري لماذا يحضرني وأنا أكتب هذه السطور قول الكاتب والفيلسوف اللبناني أمين الريحاني و هو يصف الانتخابات الأميركية في روايته كتاب خالد”وإنّني أتساءل ثانية، ما هي صندوقة الاقتراع، إن لم تكن وسيلة عصرية للفساد والتحقير؟ صدقني.. إنّها الدليل.. على إرادة الأكثرية، ولو جاز القول، على إرادة الحزب الذي يملك مقدارًا أكبر من المال بتصرفه” تشير هذه المقولة إلى ذلك الزواج غير المقدس بين المال والسلطة، فكل من لا يمتلك المال يغيب رأيه وصوته في غياهب التهميش.

إن الديمقراطية كما يرى أنطون المقدسي “قمة تنظير وسلوك شديد الرفعة، وليس بلوغها بالأمر الهين. فهي قمة تفكير وممارسة إنسانيين يقتضي الوصول إليها ارتقاء طبقات من أسفل إلى أعلى، تمامًا كما في عملية صعود هرم، بدءًا من القاعدة إلى القمة، وإلا كنا مثل من يرتقي هرمًا مقلوبًا، يلامس قمته وهو على الأرض، لم يبذل جهدًا ولا اجتاز مراحل، لكنه يتناسى أن هذا الهرم المقلوب لا يمكن أن يكون مستقرًا، فهو يقف على قمة حرجة وسرعان ما يهوي ساحقًا تحته من فرحوا بملامسة القمة متناسين وضعها الشاذ، ومغالطين منطق الأشياء. يلاقي المقدسي الريحاني الذي يقول أيضًا “”ما نفع الحرية متى كانت تجرنا إلى أعماق أدنى وأشدّ ظلمة؟ في ظلّ دستور ليبرالي وتحت رعاية حكومة حرة، أنت أيضًا حرّ في أن تبيع روحك وأن تفتح حسابًا مصرفيًا لضميرك. وهذا يعني أن الديمقراطية والانتخابات تحتاج إلى مجتمعات واعية ومدركة وإلا تحولت لأسوء أشكال الفساد والحسوبيات والتي من شانها تدمير أي مجتمع.

خلاصة القول إن على مجتمعاتنا العربية إقامة صروح العدالة الاجتماعية والمساواة بين الناس، ومعاملة جميع الفئات بعدل، والسعي لتفعيل دور الجميع، والعمل على تنمية الهوامش والجماعات الهامشية في المجتمع، حتى تتمكن الانتخابات من إنتاج سلطة تحكم الجميع وترعى مصالح الجميع، وهنا ستبدأ مجتمعاتنا بالسعي نحو الرقي والازدهار الحقيقيين.

*أستاذ جامعي وباحث أكاديمي/بيروت

شاهد أيضاً

محمد ناجي المنشاوي *:قراءه في كتاب أيام في حياة اللاوندي

مابين عامي 1955 م و2019 م  عاش المفكر  الدكتور سعيد اللاوندي  والذي رحل عن دنيانا ...