الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. خالد أقيس */المسألة الأخلاقية في “ضمير المتكلم” لفيصل الأحمر**

د. خالد أقيس */المسألة الأخلاقية في “ضمير المتكلم” لفيصل الأحمر**

المسألة الأخلاقية
في “ضمير المتكلم” لفيصل الأحمر


عرفت الأخلاق زحزحات كثيرة منذ نعومة أظافرها المبكرة في المهد الديني؛ فقد استحوذ الفلاسفة مبكرا على الفكرة الأخلاقية منبهين إلى حدود مسؤولية الفعل في العالم، وكيف أن الجانب اليوطوبي الكامن في الفكرة الأخلاقية الدينية غالبا ما يقابله بصفاقة كبيرة ما يوجد في الحياة من أفعال تتسرب من الدين إلى الدنيا بأريحية كبيرة، مذكرة إيانا بأن تمام خلق النفس البشرية كما يصفها القرآن الكريم – في نفَس فلسفي يكاد يكون بعيدا عن مألوف الخطاب الديني في تصورنا- لا يتم إلا إذا تحقق الشرط البديع الذي يسكن الاية القرآنية “ونفسٍ وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها”…
من جهة أخرى حق لنا (ووجب كذلك) أن نتساءل عن الزعزعة الأخيرة التي كانت على هامش الحربين الكونيتين في القرن العشرين، وقد نتج عن كل ذلك تفكير متشكك في الإنسان وفي المذهب الإنساني… فقد تأكدنا بشكل ما بأن الفجور في الخلق قد غلب التقوى غلبة تامة كاملة.
كيف يمكن أن تكون الأخلاق مشروعنا بعد أن فضح تاريخ القرن العشرين الوحش الساكن تحت ملامح الملاك داخلنا؟… لقد سقطت السرديات الكبرى كلها في غضون نصف قرن تقريبا. فهل من مشروع تحمله الروايات كحال “ضمير المتكلم” لفيصل الأحمر من أجل البحث عن “إنسانية” متبقية للإنسان؟
إن “ضمير المتكلم” رواية غارقة في الحياة اللاأخلاقية، وهي تبحث عن معنى معين للأخلاق، وسط كل ذلك الجحيم الأليف الذي صنعته الشخصيات القلقة التي تتحرك على متن الرواية التي تستضيف ست شخصيات تبحث عن مؤلف يسمى “الشيخ”؛ وهو كاتب قارب السبعين ولكنه يتعاطى الحشيش كل ليلة تقريبا، ويدخل في علاقة غير شرعية مع امرأة يبدو أنها لم تجد مكانها على أديم الرواية، ففضلت الهروب عبر سراديب تحولت بقدرة السرد الإلهية إلى الرواية برمتها؛ تلك هي شخصية “زهور” المرأة التي تلقي بظلالها على الرواية كلها، حتى لتغرينا بأن نعتبرها الشخصية المركزية للرواية.
أحد الأبطال واقع في حبها منذ ثلاثين سنة، وهو يكتب في مناجاتها قائلا: ” نحن محظوظان سيئا الحظ؛ ننتمي إلى آخر جيل كتب الرسائل الطويلة على الورق. محظوظان لأنه جيل نبيل فعل أشياء نبيلة، وسيئا الحظ لأننا رأينا خسوف العالم الذي اعتقدناه أجمل ما يمكن أن يكون: العائلة، الأخلاق، الاحترام، الحب، التعفف، احترام المسافات، الحلم، العمل، القدرة على تغيير الأشياء، الإيمان بالجامعة، الغفلة عن المسيرين الحقيقيين الذين يريدون بعالمنا شرا، تعظيم مكانة العاشق، الاستعداد للاستغراق في الأشياء.”(الرواية، ص100)
وتروقك كثيرا البنية ذات البعد الأخلاقي الفعال للانتقال من قصة عاشق موله بامرأة أو بصورتها التي صنعها لنفسه – والتي سنكتشف أنها لم يعد لها بعد ثلاثين سنة من التأزم في حال البلاد والعباد أي وجود يذكر- إلى التأمل في السياسة والتاريخ؛ انتقال فعال أخلاقيا كما وصفناه لأنه يربط بالحيل السردية الذكية الكثيرة في الرواية بين المصير الفردي الذي يبدو متناهيا في الصغر وبين المصير الجماعي المتناهي في الكبر والخطر. وها هوذا هذا العاشق الذي يلتقي بحبيبته بعد عشرين سنة (سيتضح أنها ثلاثون وهو لا يدري تماما، لأن زمن القلب عاجز عن تقصي الزمن الكرونولوجي) يقول في وصف ذلك: ” سعدت كثيرا وأنا أرى أخيرا المرأة الحديدية؛ زهور التي عرفتها لم تكن حاضرة بقدرما تصورت إلا داخلي. أما زهور التي يعرفها الجميع والتي كانت تأتيني أخبارها فلم أعرفها. سعدت بلقائها أخيرا بقدرما حزنت لرؤية شيء كالحلم الجميل يتبدد بشكل بارد.
إنه الصقيع فعلا يا الشيخ.
القلب هو المدينة الفاضلة يا الشيخ. وحده يحقق كل أحلامنا بلا نقاشات كثيرة وملتوية.
كانت الثمانينات هي أواخر سنوات القلب في العالم كله. بدأ الحلم في الستينيات بعد بداية نسيان الحرب العالمية، واستمر في السبعينيات على أجمل شكل ممكن حيث قضيت أروع طفولة يحلم بها بشر. طفولة رائعة رغم البؤس المروّع…ثم بدأت منعرجات الحياة والعالم في الثمانينات حيث تراجع القلب بشكل ما.بدأنا نخرج من اليوطوبيا إلى الديسطوبيا.
في نهاية تلك السنوات امتلأت كراستي بتعابير مختلفة تماما عما كان يملأ كراستي أول الأمر. الحديث عن الأمل في إيجاد عمل تحول إلى البحث غير المجدي عن وظيفة.
الخير الذي كان يعد بأن يعم في البلاد، صار أخبارا عن الأزمة، وعن الندرة في المواد الغذائية الأولية.
الملفات الوسخة لاغتيال رجال الثورة الكبار ورموزها بدأت تطفو على السطح. كان اسم العظماء جميعا الشهيد أو المجاهد، وكلهم شهداء الحق الذين قتلوا على يد الفرنسيين أعدائنا الكفار وماتوا في سبيل الله وهم أحياء عند ربهم يرزقون، أو هم أحياء في انتظار موت مجيد يليق بهم ليلتحقوا بإخوانهم الذين سبقوهم إلى الجنة.. وصدفة ظهرت الكتب المؤلمة لفرحات عباس الذي كنا نعتقده مات منذ عشرين سنة لنكتشف أنه كان معتقلا من قبل الرئيس الذي لم يكن عظيما مثلما تعودنا أن نسمع: الهواري بومدين.
على كراستي هذه كتبت منذ ثلاثين سنة (وربما هي تسع وعشرون سنة أو أقل قليلا: لماذا يجبر بومدين فرحات عباس على الإقامة الجبرية.. وماذا أدى بهؤلاء العظماء إلى أن يموتوا اغتيالا بأيدي رفقاء النضال والسلاح من الجزائريين لا بأيدي الفرنسيين: عبان رمضان، العقيد شعباني، كريم بلقاسم، صالح بوعكوير،…
ولماذا هجر الجزائر الإبراهيمي ومفدي زكريا وحسين آيت أحمد ومحمد بوضياف ومصالي الحاج؟
كانت مرحلة بداية طرح الأسئلة. ولم تكن زهور إلى جانبي ساعتها. كانت لزهور إجابات لكل هذه الأسئلة. كنا أترابا ولكنها كانت تكبرنا جميعا بأعوام معنوية طويلة واسعة؛ بأعوام من الوعي والفهم والجرأة على الأسئلة. كان لها شكل مدرسة في مدرسة برج الكيفان رغم أنها كانت طالبة مثلنا. زهور الرائعة. كم أحببتها يا الشيخ.
من أين جاءها كل هذا؟
لا أملك إجابة. زهور تعلم كل شيء وبلا سبب واضح ولا تبرير ولا تفسير.”( الرواية، ص ص: 100/102)
مشكلة الأخلاق في العالم المتخيل الذي يلغي تماما المسافة بينه وبين الواقع، بواسطة اشتغال واسع وكبير جدا داخل الرواية من أجل جعل المتخيل يغرينا بإحالاته الكثيرة المستمرة على العالم المرجعي للنص، هذه المشكلة تتأتى من أنها تواجه باستمرار تجربة اللاإنساني في إطار أخلاقي مزدوج؛ فالرواية من جهة مجبرة على التعامل مع النماذج اللاإنسانية في إطار سردي فني مطالب باحترام القانون الجمالي او بابتكاره أحيانا… وهو يتعامل من جهة أخرى مع شخصيات تبدو منطلقة من النقطة الملائكية لإنسان بسيط عادي بلا مشاكل يعيش حياة بمعزل عن كل تعقيد، ولكننا بسرعة نبدأ نلاحظ أن كل واحد منهم تطارده أشباح كثيرة بعضها ظاهر وكثير منها مستتر… فلكل واحد تجربة خاصة جدا تجعله يعيد رسم معالم القيمة الأخلاقية طورا بعد طور.
تتحرك هذه الشخصيات فجأة من أجل تحرير “الضمير ” بفعل الكلام؛ ومع القراءة الثانية لمعنى العنوان “ضمير المتكلم”… فكل واحد من هؤلاء قد أدركه حراك الجزائر (2019) وقد فقد احترامه لذاته وقدرته على دمج أفعاله في الحياة الجماعية. كل واحد من هؤلاء قد فصلته تجربته عن عائلته وعن صحبه، لكي يظل “محتجزًا” في وجه أولئك الذين يظلون إلى جانب الأخلاق الرسمية التي هي أخلاقيات متحركة حسب المصالح، مصالح قد تكون جلبته هو أيضا إلى دائرتها في لحظة إغراء معينة، كان يشعر بالخلل فيها ويستصغره، قبل أن تكبر النقطة الصغيرة للخلل لكي تصبح بحجم بلاد أو تاريخ، وتلقي بلا أخلاقيتها العميقة على كل أخلاق ممكنة. وهذا عموما سبب فقدان الشخصيات المتحركة داخل هذه الرواية لاحترامها لنفسها.
الأدب بقدرته على التعايش مع المفارقات، وكذا بإمكانياته الدلالية العالية يلقي الضوء دائما على النفاق والجبن. كما تفعل رواية “ضمير المتكلم” في جزئها الساخر الذي هو ليس بساخر تماما، إذ تحرر التاريخ تماما لأنها تعارض الخطاب الثقيل للأيديولوجيات وللجهاز الحاكم الذي يكتب التاريخ الرسمي بخطابات يؤديها ضمير المتكلم الذي هو ضمير الاعتراف، وبالتالي ضمير تحرير الضمير من أشباحه.
بالنسبة لشخصيات هذه الرواية الست المتكلمة، والسابع الذي هو المؤلف الذي يحدث له أن يدخل محل الحشيش لتناول “الزطلة” فيتحول على أحد المساطيل الذين تتفرج عليهم الرواية والذين يبطئون إيقاع التاريخ لتمطّيهم على صفحات الرواية، والشخصية الثامنة التي هي موضوع قصة يكتبها هذا المؤلف المسطول بحثا عن أبواب جديدة لإدراك تاريخ يهدم الأبواب والتاريخ وهو عابر على نقطة “مجهولة” لا تعيها هذه الشخصيات المعذبة، ثم الشخصية التي هي سحابة ماطرة تعتلي الجميع؛ اقصد “زهور” التي هي ملتقى جميع هذه الشخصيات، بالنسبة لهؤلاء جميعا تتحول القيمة الأخلاقية إلى حركة سلبية داخل العالم الذي يبدو تيار التاريخ فيه غالبا دائما.
الأخلاق المطلقة تتحول – كما نعرف – إلى ظرف تاريخي، وهذا هو الغياب الكلي للقيمة الأخلاقية إذا ما سلمنا مع الفلسفة بتعريف الأخلاق على أنها نوع من التصرف داخل العالم.
” في الشارع الذي لم يكن مهتما بالرياضيات، ولا بدور الخوارزمي وجابر بن حيان في تاريخ العلم، والذي لم يكن يجيد الحساب مثلما أجيده، كانت الديمقراطية تغزو القلوب التي أسلمت أمرها لحرية التعبير وللتداول على السلطة، في بلد مثقل بأعباء الاستعمار كان على العالم أن يقول لأهله: “لقد أسلمنا ولما يدخل الإيمان بالديمقراطية قلوبنا”…
الرياضيات يا الشيخ أكذوبة… يعلموننا الحساب في عالم مليء بالجبرية لا بالجبر…مليء بغياب العدالة لا بالمعادلات المستوية… عالم كل الأطراف فيه غير متساوية الطرفين…وكل هندسته تؤدي إلى الحصول على علامة سيئة في امتحان الحياة. علينا ان نوقف الرياضيات ونتعلم التاريخ أولا…ونتعلم الخيال…الخيال أهم من الحسابات الدقيقة…دقة الحساب تأتي بالظلم والتنمر والاستعمار…الخيال يستعيد الأطفال الذين ناموا داخلنا ويحيل على لذة اللعب المشترك…
هذا ما أوصلتني إليه تجربتي في إقامة ألف حساب لألف ألف شخص من سادة البلاد.”( الرواية، ص23/24)
التاريخ في التصور الروائي لفيصل الأحمر سلالسل متناسلة من الأكاذيب ، الفوضى ، الظلم، … و الإيمان بالتاريخ (أو بسلطة الظروف؛ لأنها إحدى توريات التاريخ) وهو ما يؤدي دوما إلى إفراغ التجربة الإنسانية من بعدها الأخلاقي وحتى من معناها، نفي كلي لكل أنماط المشاركة الوجدانية للبشر، وكل إمكانيات الحساسية البشرية التي تخلق الشعور بالمسؤولية على الآخر؛ وهو جوهر القيمة الأخلاقية.
التاريخ كسلسلة من الأحداث ليس “أخلاقياً”. فهو كما وصفه شيكسبير على لسان ماكبث: حكاية مليئة بالجلبة والعنف يرويها على مسامعنا مجنون أخرق.
فكأنه علينا مع الشخصية المتكلمة أعلاه في “ضمير المتكلم” أن نفكر في اللاقانون الدولي، واللاعدل وربما لا أخلاق التعليم الديني ، ولا أخلاق التاريخ المذهبي ، ولا حقوق الإنسان أيضا. وكل هذه القيم يمكنها فقط أن تستعاد كذكريات نتحسر على انتفائها.
يقول أحدهم مثلا في وصف أحد مغني الغناء “الشعبي”، وكلهم شيوخ محترمون على عكس باقي المغنين المرتبطين بنوع من التخفف الأخلاقي: ” الصبر…جوفهم مليء بالصبر. بعد المعرفة تأتي الغمة بسبب يقين العجز عن فعل أي شيء يحسن ظرف الحياة. ثم الصمت. ويعدها الغناء الذي يقول كل شيء عدا الحقيقة.”. الشعبي موسيقى تذكر بأخلاق يبدو أن القلة فقط تحاول المحافظة عليها. الغناء الشعبي غناء الخلاق في وقت أفولها. موسيقة تودع الأرض مع آخر خيوط الضوء.
أين الحقيقة وما موقفنا المناسب منها إذن؟
الحقيقة تتسرب إلينا بشكل مفاجئ ومفجع. ها هي لقطة بسيطة تقول كل المأساة. أحد الأبطال نجده يتفرج على فلم جميل ويتحدث مع أخيه الصغير الذي نقل إليه عشقه للسنما كجانب مشرق من التجربة الإنسانية، ولكننا نفاجأ بالموت يدخل بأبشع الأشكال الممكنة؛ يساله البطل أخوه حليم دوما “ما هو أفضل فلم رايته في حياتك؟”، فيجيبه البطل: ” بالأبيض الأسود:سأذكر دائما فلم “12 رجلا غاضبا”. فلم رائع حقا. فيه هنري فوندا يدافع عن زنجي متهم بالإعدام ظلما. لا تستطيع أن ترى ما هو أفضل من ذلك. ومن الفترة نفسها فلم “مدافع نافارون”؛ إنتاج ضخم بألف ممثل جيد. كانت مرحلة صناعة أفلام جميلة جدا. وكانت مرحلة قد ترى فيها عدة أبطال يتشاركون البطولة. اليوم أصبح كل ممثل جمهورية على حدة. زمنكم خردة يا بنيّ.
“ديرلنا فيلم يا الحاج”.
جملة مثل هذه لا تسمعها إلا من حليم. طفل رائع كان عليه أن يرحل باكرا يا الشيخ. مات في حادث إرهابي. أمي توفيت بعده بشهور. لم تتحمل قهر الميتة الغادرة. ملاك يقتل بطريقة بشعة. ملاك لا تجد حتى أشلاءه كلها لتلملمها وتدفنه دفنا يحافظ على الكرامة. كم أن الحياة لا ترحم.”( الرواية، ص32)
ما يحدث في هذه السطور السريعة هو نفسه ما يهيمن على إيقاع الرواية كلها. وربما يكون هو ما يحدث في التاريخ عموما. لذا نجد بعض المؤرخين يتساءلون: هل التاريخ كقصة “أخلاقي”؟
ويسارع كثيرون إلى الإجابة المدرسية المريحة: “نعم، عندما تخدم القصة مشروعًا قوميا أوإنسانيا..”. كان هذا هو الحال مع التاريخ “العلمي” الذي تأسس في القرن التاسع عشر وتلقفته المدارس مثبتة إياه في دروس جديرة بأن تحفظ وأن تنتقل على الأجيال المقبلة.
شخصية المؤرخ في “ضمير المتكلم” هامة جدا. هو رجل كثير النسيان. مخبر جيد ولكنه يعاني دوما من تركيب ما لديه من معلومات من أجل فهم جيد لمن يراقبهم ولما يتجسس عليه.
يقول للشيخ في بعض المقاطع التي يغمرها بالفعل الهام في الرواية والتاريخ وفي الأخلاق أيضا:”أذكر” الذي هو فعل شديد الحساسية:
“الجزائر كلها كانت تحب السينما. وكانت البلاد بخير.
فسد تاريخ البلاد على ما أذكر حينما تنكر الجميع للسينما.
أذكر جيدا أننا كنا ثلاثة الصادق أنفو سعيد فوطو وأنا موح ليسطوريان؛ اسم سيتحول بعد تعريب فترة الإرهاب إلى: المؤرخ. سعيد أنقذه الحب فهرب بأداة تصويره وصوره مع دلال باكرا. قال إن مدرستنا ملوثة بالمخبرين، الصادق ذهب بعيدا لأنه باع الجميع إثر اغتيال بومدين. كنا شبابا يناضل لأجل غد البلاد الأفضل، وصدفة تحول اسمنا إلى “الخلايا الشيوعية”.
حتى نحن أبناء الوضوح والمواقف الشجاعة والمواجهة لأجل النضال لحقت بنا عادة الكنية.
أذكر.
لا أفعل شيئا منذ عشرات السنين سوى تدوين يومياتي وملاحظاتي. ليست يوميات هي فقط ذكريات بطلها الأساسي الوطن. فيها معلومات كثيرة حول كل شيء” (الرواية، ص34/35)
إنه يبني “سردًا مصابا بعمى اختياري” للتاريخ الوطني؛ تاريخ كما يبدو من هذا المقطع ينزلق بسرعة من تاريخ الفرد “اليوميات” إلى التاريخ الجماعي “فيها أخبار عن كل شيء”… هذا الكل شيء الذي يصنع الفارق. وتمامًا كما يتجلى التاريخ الأدبي على مستوى “المؤلفين العظماء” الذين يشكلون عائلة راقية، لا شية فيها، ويجعلنا بالإطلاع على المدونة الأدبية كأنما نحن نشاهد عائلة متراصة في عالم البلاغة والخيال البديع، عائلة متماسكة عبر القرون، يؤرخون للعالم من خلال كتابة أعمال تناقض بنية التاريخ كما يقول رولان بارت.
يبدو أن شخصيات هذه الرواية تقاوم “السردية الكبرى” للدولة الوطنية. كان جان فرانسوا ليوتار قد كشف الرابط بين سرديات الحداثة وفكرة التحرر التدريجي للعقل والعمل المؤدي إلى تحرير البشرية جمعاء ، بفضل التقدم الديمقراطي والتقني، لكن الثقة في المشروع الحديث تحطمت بسبب الكوارث الكبرى في القرن العشرين… وهو المسار نفسه الذي تصوره رواية “ضمير المتكلم” ممثلا في أزمة التسعينيات وما سمي ساعتها بالعشرية السوداء التي تتوسع دائرة عملها في الرواية لكي نبحث عن أصول الأزمة في أزمات سياسية وأخلاقية أكبر بكثير من حدود الجزائر وسردية الجزائري.
الحوار النهائي بين المحقق والكاتب “الشيخ” الذي يستأمنه الجميع على وثائقهم وأسرارهم وحكاياتهم هام جدا. هام لأنه يرسم كثيرا من الحدود بين ما تحتويه الحكايات وما يتحرك على أرض الواقع.
نقرا هذا المقطع:

  • ” هل هي معك؟
  • كل شيء احترق في المزبلة. التاريخ كله ذهب إلى المزبلة لكي يجد حتفه وحتفنا.
  • يا إلهي. لا تقل لي إنها لا نسخ لك لكل ذلك؟
  • آلاف الصور. لا يمكن نسخها.
  • ألم تصور أي شيء بهاتفك الذكي؟ألم تصور اليوميات والتقارير؟
  • هي كلها عندكم. كل ما لدي مر تحت الرعاية السامية للمخابرات ومختلف أجهزة الأمن.
  • تقصد أنها لم تضع تماما تلك الدرر العظيمة؟
  • إذا وجد من يلملم شتاتها يمكننا أن نبني ملامح حقيقة ما، يمكنها أن تمهد لبناء وطن جديد على أسس مختلفة عما مر بنا من قبل. شيء يشبه ما يحلم به الحراك الذي يمتد منذ أكثر من عام
  • إذن قل إن كل ذلك قد ضاع… كما سيضيع الحراك
  • لا تتكلم كأنك أنا يا نجيب محفوظ. ثم إن الحراك هو وعي دفين في الشعب. وهذا الجزء لا خوف عليه. عدوه البروباغاندا الرسمية للنظام. وهذه فوتت فرصها كلها. لهذا فالحراك لن يموت.
  • كيف؟
  • لقد أصبحت تقول ما من المفروض أن أقوله انا. ما عدا رأيك في الحراك فهو صورة مطابقة للأصل من الرأي الرسمي للمؤسسة الحاكمة التي يهدد الحراك حياتها الهانئة وريوعها ومواقعها المغرية في الداخل والخارج.
  • كثيرا ما أعجز عن الكذب على شخص مثلك. لا تنس أن كل هؤلاء قد جاؤوك بأغلى ما يملكونه واستأمنوك على أسرارهم.
  • فعلا ما أصعب الأمانة. ولكنني لم أفعل شيئا. كل ما حدث حدث بمعزل عن إرادتي.
  • ارو لي الحكاية. أريد التفاصيل من فمك. سأختم هذا التقرير اللعين الليلة وأخرج من هذه الحكاية.
  • أخشى أن الحكايات أزمات أبدية لا مخرج منها…
  • ولو… تفضل.” (الرواية، ص: 326/327)
    إن واحدا من الأسباب التي نتوقع أن التاريخ الأدبي سيحتفظ بهذه الرواية لأجلها هو العلاقة الإشكالية التي ابتكرها فيصل الأحمر بين المتخيل والواقع، بين العالم النصي والعالم المحيط بالنص. وقد أذاب العلاقة كلها في الهاجس الأخلاقي، من الباب الذي طرقناه هنا والذي يكثف الأسئلة حول مسألتي: صناعة القيم وتأطير السلوك. أو التركيز على السؤالين: كيف نفكر وما السلوك الواجب تبنيه؛ وهما – كما أسلفنا- السؤالان الأخلاقيان بامتياز.
    من جهة أخرى فإننا نرى الشخصيات كلها تعاني من نشاط مفرط للذكريات التي تعذبها. إن هذه الذكريات التي يبدو كأن شيئا ما يستفزها؛ شيء قد يكون “الحراك” الشعبي الذي أعاد الجميع إلى لحظة تنتمي إلى شكل معين من التاريخين الشخصي والجماعي أجج القناعات والمنظومة الأخلاقية المنوطة بها. فالأخلاق التي نبحث عنها دوما في الرواية وسط جدل قديم كبير، هي منظومة الاستحسان والاستهجان التي تتجلى في التواريخ الشخصية المعزولة للشخصيات، وهي قطع صغيرة عادة ما لا يكون التاريخ الجماعي “الرسمي” إلا محصلة لها كلها مجتمعة. فمن الواضح ونحن في الزمن ما بعد الحداثي المولع بمراجعة كل ما كان مسلما به في التاريخ الرسمي أن التاريخ لم يعد لوحا يتعلم عليه المؤرخ وغيره من الناس دروسا في الحضارة، يستخلصها مما يسميه فولتير فلسفة التاريخ. بل إنه صار مسارا حركيا ومعقدا يستشف معانيه الممكنة من كل ما يمكن أن نلتقطه من الأحداث المتراصة في الكتب (وفي الذاكرة) وهي الرؤية الحركية التي تغرينا بأن نفكر بأنه الممكن مراجعة (وربما تصحيح) القناعات والسلوكات التي كثيرا ما تحيلها محاولات المراجعة البسيطة التي نقوم بها بدون تركيز كبير على شيء قليل الفائدة لا يبدو له أي معنى عدا تبرير الوضع الحالي والسياسة السائدة.
    هل معنى هذا أن التاريخ أكذوبة تتلاعب بعقولنا وتتسرب إلى تاريخنا ونتبناها عاطفيا ولا نفكر في عرضها على أي جهاز من شأنه أن يضيء جوانبها المظلمة؟
    العنوان الأخير في الرواية هو عتبة هامة جدا في محاولة الإجابة على هذا السؤال: “نهايات لليل الحكاية الذي لا ينتهي”. * جامعة جيجل **نقلا عن مجلة ميريت

شاهد أيضاً

د. سامي نصار/في ذكرى طه حسين

من مستقبل الثقافة إلى ثقافة المستقبل من كتاب “مستقبل الثقافة في مصر” لعميد الأدب العربي ...