الرئيسية / أخبار ثقافيه / مجدي نصار* المعاناه أمام باب مروحة للكاتبه أماني الشرقاوي

مجدي نصار* المعاناه أمام باب مروحة للكاتبه أماني الشرقاوي

باب مروحة – أماني الشرقاوي

(بين المعاناة والغضب والتمرد تتحرك النصوص)

في مجموعتها القصصية (باب مروحة) الصادرة عن دار المعارف عام 2020، تمزج الكاتبة أماني الشرقاوي بين الفلسفة والحكي في قالب سردي صادق وواقعي لكنه لا يخل من الفانتازيا. تعبر الشرقاوي بلا مواربة عن مشاعر أبطالها وما يؤمنون به وتهتم بذلك أكثر من اهتمامها بالصور المتحركة للحكاية ذاتها وإن كانت لم تهمل الأخيرة أيضًا.

قد لا تصف الكاتبة المكان أو الملامح الخاصة بالبطل قدر ما تصف ما يعتمل في ذهنه من أفكار وفي قلبه من مشاعر. تتسم الكتابة عند الشرقاوي بالسخرية الممزوجة بالأسى، تقول مثلًا في قصة (درة)، “فر الحظ منذ زمن سئمت من طوله”

تتسم الشرقاوي بالقدرة الجيدة على الاختزال، فتقوم بتناول مشاهد متفرقة تعكس فلسفة القصة وطبيعة حياة بطلها. وقد تجد مشهدًا كاملًا في سطر أو سطرين على الأكثر، مما يدلل على قيام الكاتبة بتنقيح نصوصها بعد الكتابة وإعدادها لخطة سردية قبل الشروع في السرد.

تستخدم أماني تعبيرات عميقة الدلالة؛ تقول في (دُرّة): “أنكمش في ذاتي قبل هبوب الرياح حين تنذر بقصف يقتلعني من جذوري.” وفي نفس الوقت تمزج تلك اللغة العميقة أحيانا بأمثال شعبية وأقاويل تراثية، تقول في (دُرّة): “ستي لئيمة وأنا ألئم منها.”

من الملحوظ اعتماد الكاتبة على اللغة المرتبطة بالطبيعة، تقول في (دُرّة): “الزوج جذع شجرة خرب.”، “اجتاحني إعصار صادم.” “أخرج من الغرفة قبل أن تتبلد سمائي بغيوم الواقعة.” و”تتلاحق هواجسي باندفاع شلالات نياجرا.”

تداعب الشرقاوي النصوص المقدسة بين حين وحين مانحة نصوصها قوة تراثية ميثولوجية، تقول في (دُرّة) “وفي الدولاب رزقكم وما توعدون!” كما تستعين بفقرة من الكتاب المقدس في (سيدة الكهوف الصفراء).

في (دُرّة) تحكي الشرقاوي عن زوج شحيح تصفه بالذي يحبس الجنيهات في سجن، وتمزج الحكي بالأسى الساخر لتنتصر للأنثى في نهاية القصة. وتلك أحد أهم سمات المجموعة، التطرق إلى مأساة الأنثى والقيود المحيطة بها في المجتمع لكن أماني تنتصر لتلك الأنثى في أغلب القصص.

في (سيدة الكهوف الصفراء) تبدأ الكاتبة قصتها بما يشبه الخاطرة النثرية منوِّعة من وسائل السرد، توظِف الفانتازيا والأحلام والكوابيس حين تحكي عن زوجة تتلبسها شخصيات أخرى وتعاني نوعًا من الانفصام فيصير جسدها في الواقع وذهنها في عالم آخر.

في (انصهار تحت الجليد) تتحدث الشرقاوي عن أنثى تعاني ضيق المكان فتبحث عن براح تشعر فيه بحريتها، تنهي هذه القصة بمفاجأة مضفية المتعة على النص، تبدع في رسم شخصية زميلة البطلة، الكتوم التي لا تبوح بالتفاصيل مرة واحدة، وهذه الشخصية هي السلاح السردي الذي أعان الشرقاوي على خلق التشويق والمفاجأة.

في (تحت العباءة البيضاء) ترسم متوالية من ثلاث قصص (الغاضب 1 – الغاضب 2 – تسليم) لتحكي معاناة امرأة خلال تأدية مناسك الحج، وتعبر بشجاعة عن سلوكيات لم تروق لها خلال تأدية الشعيرة العظيمة التي تستوجب حسن السلوك والتأدب. تتحدث عن التدافع غير المبرر والتحرش والإصرار على التقاط الصور جوار الكعبة، تحارب الورع المفتعل، تصوِر شعيرة دينية يتحول أداؤها إلى نوع من المعاناة.

في (مروق) تتحدث عن تحول البطل من دين إلى آخر وعن وقوف البعض حائلًا بين الناس وبين الله. وفي (استفهام، تعجب) تحدثنا عن سيدات تشبه أبدانهن علامات الاستفهام وتحركهن في عالم فانتازي حين يقمن بزيارة قصر منيف طمعًا في مقابلة صاحبه “الباشمهندس”.

تعتمد الشرقاوي على أسلوب الاستفهام التشويقي بشكل متكرر في قصة (الساعة تن تن)، تسأل، “أكانت تشعر باقتراب الرحيل؟”، “ألا لهذا الطريق أن ينجلي؟!”، “هل كان استعدادًا مبكرًا لظلمة القبر؟” حين تحكي عن عجوز تشعر بدنو الأجل وتطالب بإيقاف عقارب الساعات عن الحركة في سرد يمزج بين ساعات الفرح والحزن في عمر المرء. تعاود الكاتبة استخدام نفس الأسلوب الاستفهامي في (بين قوسين) لتصير القصة كلها عبارة عن مجموعة من التساؤلات.

تجابه الكذب والإدعاء في (دال نقطة، قاف عين) حين تحكي عن شخص يقدم نفسه للناس بصورة غير حقيقية وتتميز هذه القصة بأنها حكاية كاملة في مشهد واحد.

في (أوهام) يتبدى نهج أماني القصصي وسمت حياة أبطالها الرئيسي، الأسى. فالأسى يغلب على مشاعر الأبطال دائما. تقول، “الذاكرة حبلى بتفاصيل مزعجة”، تتحدث عن رجل وامرأة متناقضان يبدآن علاقة متأزمة في وضع رمادي وحالة هلامية ويتحركان بين إقدام وإحجام بتردد. هذا النص غامض يشبه الخاطرة.

قصة (عاد إليها صوتها) عبارة عن حكاية اجتماعية عن رجل له زوجتين يحتفظ بهما سويًا مما يثير حسد الرجال وحنق النساء خلال رحلة يقومون بها جميعًا. في (وابور جاز) تتطرق الكاتبة إلى حكاية عادية لكنما بطريقة مختلفة فتجعل السرد يحمل بين طياته عددًا من المفاجآت التشويقية. تعتمد الكاتبة على تقنية النهاية المفتوحة في (ابتسامة ما) فتستعرض الأزمة باستفاضة في المشاعر لكنها تترك القارىء دون تقديم حل.

تهتم الشرقاوي بالجملة الإسمية على حساب الجملة الفعلية تنويعًا لطرائق السرد في قصة (حفلات نحيب) وتقدم حكاية جديدة عن امرأة تزوج زوجها من أخرى فاعتبرته ميتًا! كما تعقد مقارنة بين امرأتين إحداهما تستمع بفرح الآخرين والأخرى تستمتع بأحزانهم رغم تعرض الإثنتان للفقد.

ثيمة الخواء العاطفي والنفسي جلية تمامًا في قصتي (أطر فارغة) و (أوتار). في الأولى تحاول البطلة سد الجوع العاطفي بأي طريقة وفي الثانية تحاول ضبط أوتار حياتها لكن العمل يشغلها عن ذلك فلا هي تصلح أوتار الكمانجا ولا أوتارها النفسية. تقول، “كانت مياهي مستقرة لكن الأحجار ألقيت في حياتي، أهفو إلى ذات بدون أقنعة كي أسترد وجهًا أفتقده.”

في بطلة المجموعة (باب مروحة) تسيطر ثيمة الفقد على السرد وتجعل القاصة الراحلون يخرجون من حياتها عبر باب مروحي. في (أمل) نجد قصة واقعية عن ساقطة تنصب الفخاخ للرجال للحصول على رصيد شحن للهاتف الجوال.

لا تتخلى الكاتبة عن مأساة الأنثى المحاصرة في (العودة) فتجعل البطلة في الأولى تختار العودة إلى السجن بإرادتها. في القصة الأخيرة (طوق عنق) تشعر وكأن الكاتبة تأبى أن توصف المجموعة بالمنحازة للأنثى فنجدها للمرة الأولى تقريبًا توجه اللوم لبطلة القصة، التي سقطت أخلاقيًا فخسرت كل شىء.

المجموعة صادقة في تناولها لموضوعات واقعية تحدث بشكل متكرر حولنا لكن الشرقاوي بتطعيمها للنصوص بالفانتازيا وتنويعها للأساليب السردية واللغوية أخرجت النصوص في قوالب متميزة.

*كاتب من مصر

شاهد أيضاً

محمد ناجي المنشاوي *:قراءه في كتاب أيام في حياة اللاوندي

مابين عامي 1955 م و2019 م  عاش المفكر  الدكتور سعيد اللاوندي  والذي رحل عن دنيانا ...